mardi 15 juin 2010

المشي على الجمر و لا خيانة الله ؟ *رواية واقعية *


أنا الآن موجود على حافة بئر بحقل على مشارف واد يقع بشمال قريتي الساحلية الصغيرة الهادئة ، سيدي بوعلي ، من ولاية سوسة ، ...تحيط بي أشجار الزيتون من كل مكان .. الطقس جميل
و ممتع .. و لا ينقصني إلا ابنتي شيماء ابنة العشر سنوات التي تعيش مع أمها ، السيدة آمال بمدينة بنزرت ..؟! و ابني نصير الله ابن الثمانية أشهر... ؟! و الذي اضطررت لتركه مع أمه بمنزل بورقيبة ، السيدة بية ، المقيمة بمنزل أختها السيدة نجاة و المقيمة بدورها بفرنسا. ؟!
لا أعرف السر في زواجي للمرة الثانية من ولاية بنزرت ؟!
ابتدأت قصتي مع مدينة بنزرت لما نقلت من مدينة شربان من ولاية المهدية للعمل بخطة مدير دار ثقافة هناك . ؟!
عرفت زوجتي الأولى السيدة آمال صدفة في شهر جوان من سنة 1993 لما كانت تمر بالقرب من دار الثقافة الشيخ إدريس ... كانت السيدة آمال تكبرني بحوالي العشر سنوات ... صارت تلازمني كظلها منذ أن تعارفنا .. صارحتني بعمرها منذ البداية .. أبدت لي كثيرا من المحبة و التقدير و الإحترام و الحنان .... حذرتني من بنات مدينتها ؟! قالت لي إنهن لعوبات ... و خطرات... تلقائيتها جذبتني إليها رغم بدانتها ... قالت إنها يتيمة الأم منذ صغرها و أنها تعتبر نفسها في عداد الأموات منذ فقدها لأمها،
و لذلك كانت كلما غضبت صبت جام غضبها في الأكل ... حتى صارت بهذا الشكل ؟! قلت لها لا يهمني الشكل و العمر كثيرا مادام بين جنبيها قلب طيب و حنون ...!?
استيقظ محمد قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود على غير عادته .. تململ عن يمين
و شمال .. ثم شخص من النافذة و جعل ينقل طرفه الشارد فيما يحيط به و حاول أن يعود إلى النوم ، لكن دون جدوى ..تساءل بينه و بين نفسه : ما الذي أيقظني مع هذه الساعة المبكرة ؟ثم تذكر فجأة : آه نسيت أن أحفظ الآيات التي كلفني بحفظها المؤدب لهذا اليوم ... يا إلهي ما الذي أصابني ؟ هل هرمت ذاكرتي بعد ؟!
و طفق يحدث نفسه و يقول : " لا يا محمد .. إن حافظتك قوية
و إلا لما فزت بثقة المؤدب .. ؟! لكن لعن الله الإرهاق ... لقد قمت بعمل عظيم بالأمس .. أنسيت أنك بقيت تجمع الزيتون مع أمك كامل اليوم .. ثم نقلت المحصول إلى المعصرة " ؟!
و عاد الهدوء إلى نفسه و سرى الإرتياح في كامل بدنه .. فاستعاذ من الشيطان ، واستجمع قوته لينهض من فراشه الدافئ . ملأ الإبريق ماء ليتوضأ للصلاة و هم بتشمير ساعديه ، إذ سمع طرقا خفيفا على الباب . فتساءل : " من يكون الطارق يا ترى ؟" و لم ينتظر انتظاره حتى سمع صوتا جهوريا يدعوه قائلا : "هيا يا محمد .. ألم تتهيأ بعد لنذهب إلى المسجد ؟! فرد محمد قائلا : "أهلا .. رضا.. هل حان وقت الصلاة بعد ؟!.
فرد رضا بصوت فيه كثيرا من التعجب :" يظهر أنك نسيت .. ، لا بأس .. سنذهب قبل صلاة الفجر .. لنحفظ معا الآيات التي كلفنا بحفظها المؤدب بالأمس .. ؟!
فقال محمد معتذرا :- "العفو يا رضا .. بعض الدقائق .. لأخرج معك .."
الليل لا يزال يلف بكلاكله أرجاء القرية الساحلية .. صمت رهيب يخيم على الشوارع و الأنهج الضيقة .. يخترقه من حين لآخر عواء الكلاب و صياح الديكة .. و نقيق الضفادع .. خرج محمد ملتفا في سترته .. و أخذ يسير جنبا إلى جنب مع رضا ... و أخذا الطيفان يهرولان حتى بلغا المسجد .. سلما الإثنان على العم وناس المكلف بتنظيف المسجد .. ثم نزعا أحذيتهما و دخلا و لم يفترقا إلا عند بداية بزوغ الشمس .

كنت أمر بظروف صعبة للغاية ... : مهنية و أسرية...إذ نقلت من إدارة دار الثقافة بشربان إلى دار الثقافة ببنزرت ؟! أين صرت عمليا بلا عمل . ؟!كانت النقلة تخفي تهديدا بطردي من العمل ؟! لأنه قد بلغ إلى مسامع المشرفين على حظوظ إدارة التنشيط الثقافي بوزارة الثقافة : أني كنت " عضوا نشيطا بحزب التحرير الإسلامي عندما كنت أزاول تعليمي بالمعهد العالي للتنشيط الثقافي؟! " هذا ما أبلغ به السيد بوبكر بن فرج مدير إدارة التنشيط الثقافي، السيد منجي بوسنينة وزير الثقافة ؟!
كما كنت أعيش صداما مربكا مع والدتي عيادة ؟!بل و مع جل أفراد أسرتي و خاصة أخوي سمير
و فرج ... بسبب توجهاتي الفكرية واختياراتي الدينية ... منذ صغري ، و قد ازدادت حدة هذه الصراعات مع تقدمي في السن و تخرجي ؟!
إن حاجتي للسيدة آمال دفعتني للتعجيل بخطبتها من أبيها السيد عمر القوتالي ، الشرطي المتقاعد . أقنعت أمي و أختي نرجس بخطبتها فاستجابتا لي في الظاهر... ؟! لكن بعد مغادرتنا لمنزل آل عمر لحقت بنا خطيبتي و أعلمتنا بأن أباها قد غير رأيه بسبب ما ورد من كلام جارح قالته أمي له عندما طلبت يد ابنته ... ؟!
لا أعرف بالضبط ما الذي كان يشدني إلى محمد..، إبتدأت علاقتنا بتنافس شديد على حفظ القرآن .. كنت أغبطه على العناية التي يوليها له المؤدب دون سائر أقرانه .. أجل كان ما يتمتع به محمد من قدرة عجيبة على الحفظ و النطق السليم .. خليقا بأن يجلب له حب المؤدب و احترام أقرانه و غيرة البعض منهم ..، و ليس من شك في أنه كان يعلم كل ذلك و لكنه لا يبدي تجاهه أي اهتمام .. كان همه منصبا على طلب العلم .. لا غير ، و تحسين زاده المعرفي .. وهو إلى ذلك يعرف حق المعرفة أن الإهتمام بمثل هذه الأشياء مضيعة للوقت و صارفا له عن الهدف الذي رسمه لنفسه .. :" أن يصبح كاتبا يساعد بني جلدته على تلمس الحقيقة و بلوغ أعلى القمم .. "
إن أراء الناس لا تكاد تسمو عن الخرافات و المعتقدات الساذجة..، و ليس من شك في أنه رأى بأم عينيه كيف يتقاعس بعض أقرانه في المدرسة عن المذاكرة ثم يذهبون ليلة الإمتحان إلى مقام الولي الصالح بجهتهم ، يتضرعون له كي ينقذهم من الرسوب . كان ينظر إلى كل هؤلاء بعين التهكم و الإزدراء و الإحتقار و لكنه لا يجاهر بذلك ، إنه يعرف خطأ مسعى هؤلاء و سذاجتهم
و يدرك ذلك كله جيدا و لكنه فضل الصمت ، إن جل سكان القرية، برجالها و نسائها .. و أطفالها يلجئون إلى مقام الولي في أوقات الشدة يلتمسون مساعدة و يطلبون مخرجا في ذل و مسكنه ،
و مهما يكن من أمر فليس الوقت مناسبا للبوح بما يختلج في صدره من إنكار لهذه الحماقات الجماعية .
و لكن هذا لا يعني أنه لم يسر لأمه بما يراه في شأن استنجاد الناس بالولي الصالح و خنوعهم لصنوف الدهر تصنع بهم ما تشاء ، و قد حذرته أمه مرارا من الإفشاء بمثل هذا الرأي الذي ينضح ردة عن تقاليد أهل القرية و معتقداتهم . و لعل هذا ما جعله برما بكل شيء حوله ، ينظر بعين الإرتياب لكل ما يقع في القرية من طقوس و ما يشاع من أراء ، و لعل برمه هذا هو الذي دفعه إلى مزيد التحصيل و الكرع من العلم أصنافا و قنع بلغة الصمت حتى يحين أوان الكلام .

عادت أمي و أختي إلى قرية سيدي بوعلي بعدما أفسدتا علاقتي بآل عمر ... لكن علاقتي بخطيبتي استمرت بدون علم أبيها مما سبب لها مشاكل معه .... ثم أعلمتني أنها غادرت منزل والدها إلى مدينة الكرم و أنها أقامت مع خالتها هناك... ؟! و قد تبين لي فيما بعد أنها تقبع في منزل عرافة تدعى "سيدة البجاوي"؟! فبدأ الشك يساورني في سيرة خطيبتي ... رافضا سلوكها هذا مهما كانت المبررات . و هددتها بقطع علاقتي بها ... ثم نفذت تهديدي لها رافضا أي لقاء معها ..... ؟!
خيم الظلام على القرية فأوحى بانطواء يوم آخر من عمر الزمان و وفاة يوم من حياتي و حياة الأحياء ..
أخذت أتفرس بعض الكتب مفكرا بفضاعة تواصل الليل و النهار .. و حاولت التغلب على هذا الشعور بالإرتماء على سريري ، لكنني تصورته نعشا يلتهمني إلتهاما ، انتفضت كالمعتوه !غير أني عدت إلى وعيي بعد أن تيقنت من تفاهة تفكيري...
و أخذت كتابا شدتني فيه العبارة التالية : "الإهداء إلى أبي رحمه الله ". و عاد لي الشعور الغريب ، و تساءلت في نفسي : "كم عاش هذا الأب ؟ و ماذا ترك ؟
و هل صنع في حياته شيئا يذكر ؟ أترك إبنا ليخلد اسمه بهذا الإهداء ؟! " و تذكرت جدي محمد رحمه الله ، لقد عاش و مات و ما بقي منه غير بعض الذكريات لا تزال عالقة بذهني .. و فجأة رن منبه الساعة كأنه يحذرني و يذكرني بسباقي مع الزمن .. فالعقارب تجري و لا تلتفت إلى النائمين .. و الوقت يمر معلنا قدوم الصباح ..
" صباح الخير" التفت نحو الصوت و أنا أقول : " صباح الخير "، إنه أحد عمال البلدية شرع في تنظيف الشوارع مبكرا وهي عادة تعود عليها منذ زمن بعيد .. لا شك أنه يشعر بالإرتياح لأنه يعمل لصالح الغير و يريح المواطن من جميع رواسب الأمس .
و قبل أن يغادر المكان قال لي : " لماذا أنت هنا ؟؟! فقلت له أنا لست هنا.. بل هناك ... هناك..

بعد ثلاثة أشهر من انقطاع علاقتي بخطيبتي ، قدمت آمال إلى دار الثقافة، صحبة امرأة زعمت أنها الصديقة المقربة للمرحومة أمها ؟! فاستأذنت من الإدارة و أخذتهما إلى مطعم مجاور لدار الثقافة، ثم إلى منزلي ... و قد حرصتا على إقناعي بالذهاب معهما إلى منزل هذه السيدة بالكرم ، استعدادا لعقد قراني على خطيبتي بدون علم أبيها ، و قد استطاعت سيدة البجاوي الحصول على شهادة طبية لي من مستشفى حكومي ب 12 يوم حتى يتسنى لي كتابة عقد القران و المكوث فترة هامة للراحة و الإستجمام بمدينة الكرم البحرية ؟! و فاجأتني الإدارة بنقلي للعمل بمثل خطتي بالمندوبية الجهوية للثقافة بسيدي بوزيد بحجة التغيب عن العمل بدون إعلام الإدارة . ؟!

في شهر جانفي من عام 1994 وضعتني المندوبية على ذمة المركب الثقافي أبو بكر القمودي .... ؟! بدا لي مدير المركب الثقافي السيد الحناشي رجلا عجوزا جاهلا لأبسط أبجديات التنشيط الثقافي .. كان النشاط الوحيد الموجود بالدار ، حضور بعض أفراد فرقة شعبية ، و راقصات أميات .. سعت إحداهن إلى مراودتي عن نفسي منذ تعارفنا ؟!
بدأت بتكوين ناد يعنى بالإبداع الأدبي و الشعر ... لكن المدير سعى منذ البداية إلى عرقلة نشاطي ؟! " فهو ابن "التجمع "
و مهمته الأساس ، معاقبتي و تكبيل كل أنشطتي لأن وزارة الثقافة تريد ذلك ؟! كما صرح لي أكثر من مرة .
نشرت في 24 مارس من عام 1994 في الملحق الثقافي من جريدة الحرية مقالا تحت عنوان " أية ثقافة نريد ؟ دعوت فيه إلى عدم احتكار حب الوطن من قبل أي مجموعة أو حزب لأننا كلنا نشترك في عشق تونس مهما باعدت بيننا الأفكار و المسافات "1(راجع المقال في كتاب : نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه + مشروع بناء حضارة بديلة الصادر عن المطبعة العصرية بتونس 2009 ).

صرت أعيش فراغا مهنيا رهيبا بفعل الحصار المضروب علي من قبل السيد الحناشي ،أنضاف إليه فراغا عاطفيا .. فقررت في شهر أفريل من عام 1994 البناء بزوجتي آمال التي كنت قد عقدت عليها منذ شهر أكتوبر من عام 1993 رغم شدة الاختلافات بيننا . ؟!؟!

ارتحل عني محمد إلى العاصمة لمواصلة تعلمه الجامعي ، كانت رسائله تصلني تباعا .. وصلتني منه رسالة يقول فيها : أخي و صديقي ، تحية صادقة ، لم أجد من أفشي له بمكنونات نفسي غيرك ، منذ مدة أخذ شعوري بالغربة يزداد شيئا فشيئا ... أسئلة عديدة أخذت تواجهني أينما ذهبت ... من أنا و ماذا أريد ؟! قد تعجب مني و يحق لك أن تعجب ، أجل لقد أمسيت أشك في كل شيء . لقد أصبح يساورني شعور بالقلق و التردد و الحيرة ...".
و تساءلت بيني و بين نفسي : " أحين جد الجد أصبحت يا محمد مترددا مضطربا حائرا لا تعرف أي وجهة تسلك ؟!؟!
عرفت محمدا لا يعترف بالعجز أو المستحيل ، يثق في قدراته إلى حد الغرور ، يردد باستمرار .. " يوجد لكل مشكلة حل ، نحن الذين نوهم أنفسنا بالعجز فنعجز ؟!"
كان يشق طريقه بثبات عجيب ، هو الوحيد بين أترابه الذي ارتقى إلى الجامعة دون رسوب . كل من في القرية كان يشهد له بالتفوق و الذكاء .
" أسباب التخلف".. " الشرق و الغرب".. " حركة الإصلاح و الحضارة الغربية "، " طريق النهضة ".. قضايا شغلت ذهن محمد منذ كان تلميذا يافعا،كان قولي له : "عش كما يعيش سائر الناس "خليقا بأن يستفزه و يغضبه، فأبتسم له و أواسيه قائلا : "إن اهتمامك بهذه القضايا لن يجديك نفعا ... خالط الناس و ستقتنع أن شعبنا لم يبلغ سن الرشد بعد ، إنك كمن يريد إحياء الموتى أو الحرث في البحر .." ؟!.
فيرد علي بلهجة لا تخلو من عتاب و تأنيب : " الحمد لله أن لم يكن كل الناس مثلك و إلا لحقت بنا الطامة الكبرى!" كنت أغبطه على صبره و قوة شكيمته ، كلما حاولنا صرفه عن هذا الطريق الوعر ازداد إصرارا و عنادا .. ؟! و يهز محمد رأسه حيرة بعد إطراق و يقول بلهجة جدية : "إن شعبنا شعب عظيم، و لكننا فرطنا فيه و تركناه يسير على غير هدى.
كنا نعجب من سرعة بديهته واطلاعه الواسع على التاريخ و إلمامه بمجريات الأحداث في العالم . كانت له قدرة عجيبة على تغيير مجرى أحاديثنا ، يزرع الأمل أين ذهب ، بل يحول اليأس إلى أمل .. و يردد دوما : ‹‹ إن مصاعب الحياة و مشاقها تصنع الرجال ›› مؤكدا : ‹‹ أن اليأس يعني الموت وليس أمام القانطين إلا الموت ، يجب أن نأمل لأن الأمل يعني الحياة ... ››! أسمعنا يوما قصيدة يقول فيها مخاطبا فلسطين ،
: ‹‹ فـــلسطــــــــــــــــــين
أنت جرح ينزف من جسدي..!
أنت قطعة من كبدي ..!
فلسطين الوفاء
يا أرض العروبة و السلام..
ابعثي لكل بطل مقدام ،
بفرح الأطفال و الأحلام ..!
قولي له : ‹‹القدس عروبتنا
و ديننا الإسلام .. ! ››
قولي له : ‹‹ أغنية خضراء
بدون كلام .. !››.

ابتدأت علاقتي بالكتابة منذ كان عمري 16 سنة .. كنت أحبر المقالات و الأشعار و القصص القصيرة ... و أقرأها على بعض زملاء الدراسة ... و كثيرا ما كنت أشارك في المسابقات الدينية
و المدرسية بولاية سوسة... أو أبلغ محتواها إلى التلاميذ و الأساتذة بالفصل ... كما كنت أحظى بأحسن الأعداد في طرق موضوعات الإنشاء في اللغة العربية و التربية الإسلامية و التربية المدنية و التاريخ و الجغرافيا و الفلسفة ... و لا أزال أذكر أن موضوعي في امتحان "السيزيام " قد تفوق على كل المواضيع بالمدرسة الإبتدائية ابن خلدون .. مما جلب لي الإحترام و التقدير من قبل كل المعلمين و الأساتذة الأجلاء الذين درسوني . و قد تجرأ أستاذي حافظ في مادة التربية الإسلامية على منحي 20/20 في موضوع يعنى بالبرهنة على وجود الله و ادخر لي 2 ليضيفها لي في مناسبة قادمة .. للتدليل على إعجابه بما أكتب . ؟!
كنت فصيحا و لا أزال باللغة العربية، إذ تمكنت من حفظ القرآن منذ كان عمري 5 سنوات... فقد توفي والدي رحمه الله عام 1973 و أدخلني خالي عبد الرزاق كتاب الحي ... و تواصلت عنايتي بحفظ القرآن و تفسيره ... وأثناء دراستي بالسنة الخامسة من التعليم الثانوي توليت تحفيظ القرآن لثلة من بنات قريتي و فتيانها بمقام الولي الصالح " سيدي بوعلي " .
و أعود فأتذكر رسالة محمد الأخيرة و ما تطفح به من قلق و حيرة ، فيتملكني الهلع على ما آل إليه حاله من تذبذب و ارتباك .. و عدت إلى المنزل و أنا على أسوإ حال ..، و لم أهنأ بخروجي إلى الغابة على غير عادتي ، فرأسي كانت تغلي بأسئلة لا نهاية لها حتى أحسست بدوار و كأن عاصفة هائلة تعبث بي في صحراء قاحلة . و تهالكت على أريكة اعترضتني، ثم كتبت له رسالة أقول له فيها : ‹‹ أخي محمد ، صحيح أني لم أعد أفهمك .. لكنني أدرك جيدا أنك أقوى من الحيرة و القلق .. إن العمل لفائدة هذا الشعب حري أن يبعدك عن كل حيرة و ارتباك ››.
‹‹إن طريق الحياة سكين حادة و كل تذبذب كفيل بإحداث الجروح البليغة المؤدية إلى الموت ››.

ابتدأت علاقتي بالحركة الإسلامية " حركة الإتجاه الإسلامي "بسبب ترددي على مسجد القرية الوحيد . فقد كان بعض أتباع هذه الحركة يلقون دروسا من حين لآخر ... و كنت أكلف من قبل السيد جمال بالمشاركة ببعض المقالات في حلقات دروسهم... عمدة سيدي بوعلي السيد " المنجي " هو ابن أخي من الأب : خميس ، كانت السلط المحلية تكلفه بإبلاغي و تحذيري من مغبة الطريق الذي أسلكه ، حتى أنه اقترح علي بعد نجاحي في امتحان الباكالوريا بالتوسط لي للإلتحاق بسلك الأمن الوطني ... لكني رفضت رفضا قاطعا لنيتي مواصلة تعلمي .
كنت متابعا نهما لكل ما يصدر عن "حركة الإتجاه الإسلامي " من كتب و مقالات في مجلة المعرفة ... إلا أن خطاب الحركة بعد الصراع المرير الذي خاضته الحركة عام 1987 قد صدمني بعنف ... فقد أمضت على ما سمي بالميثاق الوطني بين كل مكونات المجتمع المدني. ؟! كما وافقت على مضمون مجلة الأحوال الشخصية .. معتبرة أنه يندرج في إطار الإجتهاد الإسلامي ؟! منذ ذلك الحين بدأت في البحث عن بديل فكري .. لأني قد اعتبرتها قد تنازلت عما كنت اعتقده " ثوابت إسلامية "... و كانت الفرصة مواتية لي للإطلاع على أفكار "حزب التحرير الإسلامي" بعد التحاقي بالمعهد العالي للتنشيط الثقافي بالعاصمة .
منذ سنواتي الأولى بالتعليم الثانوي كانت تصلني بانتظام ثلاث مجلات إسلامية ، هي :"الأمة ، و "المنار الإسلامي ، و الوعي الإسلامي .. وهي مجلات يشارك في كتابتها كتاب إسلاميون من كافة أنحاء العالم الإسلامي ... ثم أضفت إلى مطالعاتي مجلة " المجلة العربية " و " مجلة الفيصل و مجلة " المنهل الأدبية " ...
كنت و لا أزال مطالعا نهما لكل ما يكتب حول الإسلام كدين و كنظام حياة ... و قد حاولت أن أتطرق منذ بداية الكتابة إلى كل المواضيع الحياتية و الفلسفية من منظور إسلامي ...كما حاولت الإجابة عن الأسئلة التي تؤرقني ... كما طالعت لجل الكتاب الإسلاميين مهما كانت انتماءاتهم الحزبية بدءا بالسيد قطب و عماد الدين خليل و سعيد حوى ووحيد الدين يكن و محمد قطب و محمد عبده و جمال الدين الأفغاني و يوسف القرضاوي و محمد الغزالي و محمد عمارة و مالك بن نبي و جل فلاسفة الأنوار الغربيين و زعماء الإصلاح المسلمون ... أذكر أن أول كراس حبرته في شكل كتيب كان بعنوان : " طريقنا إلى بناء الحضارة " جمعت فيه خواطري لبلورة القوانين التي تتحكم في قيام الحضارات و انهيارها 2((راجع المقال في كتاب : نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه + مشروع بناء حضارة بديلة الصادر عن المطبعة العصرية بتونس 2009 )) وهو نفس المقال الذي حفزني لكتابة كراس تحت عنوان : "ضد ألظلامي حمة الهمامي " حاولت الرد فيه على كتابه : ضد الظلامية في الرد على الإتجاه الإسلامي " ، لحمة الهمامي .
كان لي صديق، استأثرت به النشوة أياما، ثم مضت حماسته تفتر و نشوته تخبو، بيد أنه لم ينكص على عاقبيه و بقي به شيء مما كان ، أقصده كلما ألم بي كرب و اشتد علي حزن ، أطلب السلوى بحكايته التي يرويها و مغامراته التي يتقن صياغتها في كلام مشوق و حديث منمق، حالما رآني قادما إليه اهتز صدره فرحا و قال بصوت ينم عن السرور:
أين أنت يا رجل !؟ هل نسيت عشرتنا بهذه السرعة ؟!
ثم استدرك قائلا : ‹‹أعلم أن مشاغل الحياة كثيرة ، لعن الله هذه الدنيا التي جعلتنا نجري وراء لقمة العيش ليل نهار دون أن ننال مبتغانا، الحياة صعبت وقل راكبها و فرقت الشمل بين الأصحاب
و الخلان ›› . وطافت بالرجل الذكريات اللذيذة فعاوده الحنين إلي صفو الحياة و جمالها . ثم ما لبث أن تذكر شيئا ، فأشرق وجهه بابتسامة لطيفة و راح يدندن بصوت منخفض : ‹‹ بالله أخبرني ، كيف حال صديقك محمد ؟ ألا يزال على عناده القديم ؟! ياله من فتى ، كم نصحته أن يكرع من الحياة صنوفا و يتمتع بطيباتها ، فالعمر قصير و لا يحتمل التأخير. ›› فحدجته بنظرة ذات معنى و قلت له بأمل و رجاء : ‹‹ لا تعكر اللقاء ، و دع محمدا و شأنه، فلم يطلب من أحد أن يخوض معه غمار الحياة ، ألا يحق له أن يختار طريقه بنفسه ، فهو ليس بحاجة لمن يوجهه ››.
فضحك صاحبي ضحكة عالية ذات معنى ، و قال مهدئا من غضبي : ‹‹ لا بأس لا فائدة من النقاش الآن ! و لكنني سأقولها دائما : ‹‹ السياسة في بلادنا خربت بيوتا كثيرة و يتمت أطفالا و أهرقت طاقات ، فلماذا لا تدعونها و شأنها ؟! ›› .
ثم أمر بإحضار الشاي، و تهالك علي أريكة و وثيرة و جلست قربه ثم بدأ في ثرثرته المعهودة و قال بحماسة و فخار: ‹‹ كنت أهوى البحر و اركب في سبيل بلوغه الأهوال و الأخطار.. لذ " لقريبع" ، صديق العمر الذهاب معي إلي البحر ، وقد اشتد الحر و ذهب الريح و القر، الصائفة اشتدت حرارتها و الأجساد قد تعرت، و السواعد قد نشطت و الغرف قد اقتضت و قبلت .. و النفوس لمرماها طمعت.
أراد " قريبع" في أيام صباه ـ و قد غرم غرما بساعده، حتى اشتد بلاؤه ـ أن يجد لنفسه مأوى يرفع به عن النفس و يذهب الحر و القلق فركب سيارة استأجرها و ركبت معه ، ووصلنا البحر فطالعنا كل جمال و كمال ... نسيمات عليلة اعترضتنا و تملقتنا ... و طيور في الفضاء سابحة و لرب السماء شاكرة .. السماء زرقاء صافية و النجوم آفلة بعدما قضت الليل ساهرة و علي راحة الإنسان عاملة ... البحر ليس له حدود والماء لا يعرف له ركود.
و السماء تتسع منذ عهود ... فسبحنا من وضعها بغير عمد و أقامها بغير قد، فأعانت البحر على الجزر و المد.
نظرت أمامي فإذا السماء و الأرض مطبقتان كأنهما منذ القديم متعاشرتان و لحماية نفسيهما متعاونتان .. و حملقت فإذا الماء هناك أزرق و هنا أبيض فعجبت لهذه الحال . و علمت فيما بعد... أن أبصارنا تخدعنا و لعقولنا المرجع و المنقلب.
حملنا أمتعتنا عل الشاطئ و بالقرب من أمواج البحر فرشنا و تمددنا ننعم النظر في النهود و نتأمل الخدود التي أقبلت من كل الجهات و الحدود ... فبدأ الحمام لمرآنا يسرح و لنا يمرح . فعشقت ذات الوجنات الحمراء والأغصان البيضاء و القوام الممشوق و الحبال الطويلة السود، فشكرت الشمس علي تركها اللحم تحت أشعتها ينعش و العيون بالجمال تنعم ، و تمنيتها أكلة شهية قرب أمواج البحر . و تمنى صاحبي أخرى على الفراش الوثير تمددت و على ظهرها و بطنها تقلبت كتقلب السمك في الأحواض و الوديان ...
و أقسم صاحبي أنه لم ير مثلها أكلة في عز الصيف، فغمز صاحبي و غمزت و في بيت مهجور تم ما تم ، و أفرغنا الجيوب من النقود .. و تمنيت و تمنى صاحبي لو هدمت السدود التي سطرت بالحدود و القلم الممدود حتى ننعم بدون عقود .. وقلت لـ " قريبع ": ‹‹هذا يومنا فلا نفرط فيه
و قصدنا مجلس العم طاهر و قد جعله صاحبه لسراة القوم مقصدا ليشربوا النبيذ و يرقصوا حتى الثمالة . و قبل أن ندخل المجلس لمحنا العم الشاذلي بوصيد دكانه جالسا و علي سحنته هم و غم ، فخلنا أن ماله قد ذهب و بقي في نكد ... فصارحته بذلك . رفع رأسه حيرة و تنهد من الأعماق و قال و هو يتمالك أنفاسه المضطربة : ‹‹ لقد ذهبت الحرة بعد أن تركت في نفسي غمة ››. فقلت مواسيا:‹‹لا عليك فالنساء في الوجود كثرة و صيدهن أيسر من شرب الخمرة ، فالنفس له اشتاقت و لنبيذه تشوفت و ارتاحت . فانفرجت أسارير وجهه و تنهد مسرورا و قام و أغلق الدكان و انصرفنا ...!
و لما اقتربنا من المجلس رأينا الليل قد ذهب ظلامه، و تلألأت نجومه و أنواره و تصاعد في الجو البخور من القدور ، و تعالت الأصوات و عم الضجيج و الصياح و انتابني شك في المجلس المقصود ، فهرول العم الشاذلي و هرولنا خلفه و تسابقنا للجنان : خدر الأكواب الموضوعة ، و النمارق المصفوفة ، و الزرابي المبثوثة و الحور العين .. و اللحم المشوي .. رائحة زكية بعطر و زنود ونهود بيض نقية ... و ...
و دخلنا و دخل العم الشاذلي ... و رفع على الأعناق .. فالجميع صحبه و بشذى أقاصيص غرامه و مغامراته تغنوا و ترنحوا .. قال العم الشاذلي مسلما :‹‹ حياكم الله معشر الشباب ››
و رد الجميع بحماس فياض: ‹‹حييت يا عم ››.!
ثم أخذ العم الشاذلي مجلسه و جلسنا . و عاد العم يقول هاتفا بصوته الأجش : ‹‹ إلي أيتها المليحة ، هات الكؤوس التي تحيي النفوس و اسقي أهل الفؤوس ››∙
هرولت أحداهن و قدمت الشراب في الكؤوس فاشرأبت إليها الأعناق و النفوس، فتسلمها العم الشاذلي و أجلس المرأة أمامه و أشربها النبيذ لتسقيه من خمرها اللذيذ ثم ارتمى عليها لتبادل الحلو و المر، ثم مد الكأس و صب الخمر على الرأس، فاشتد الغيظ بالفتاة و نهرته، و قربت إليها ‹‹قريبع›› و قد كان يتفحش مع إحداهن فغضب العم الشاذلي و امتلأ حنقا و قال بحدة و هو يتميز من الغيظ : ‹‹ لأعبثن بالمجلس يا غواني ›› فقالت المرأة تستفزه :‹‹دع لي هذا الشاب يا عم ، فساعده بقوة الشباب معمر ، و أنت فقدتك النساء صلابته، فتهرأ ..!
فازداد غضبه ، و أمتلأ صدره حنقا و قال بصوت رفيع : ‹‹هاكم المال يا معشر القحاب .. و أخذت الدنانير تتناثر عن يمين و شمال .. و كثر الصخب و اللغط .. و تسابقت النسوة الحاضرات لجمع المال و العم الشاذلي واقف يضحك و يقهقه... رن الجرس ليعلن انتصاف الليل ، فترنحت الرؤوس ، و ذابت القلوب ..
ثم خرج العم الشاذلي و خرجنا ...!

يبدو لي أن "حركة الإتجاه الإسلامي" قد ولدت كما يولد كل المواليد الجدد على الفطرة ، فنالت إعجاب كل الشباب المتطلعين لأن تعيش بلادنا على قوانين الفطرة الإلاهية حتى تحقق القوة و المناعة و الإزدهار و تنجو من حالة التخلف الحضاري التي يرزح تحتها كل المسلمين في العالم . لكن سعي قادتها لدخول المعترك السياسي القانوني بعد 7 نوفمبر 1987جعلها تتنجس بنجاسة أصحاب المصالح و الأغراض الدنيوية و تسقط في بركة من المياه الآسنة.. و تضحي بنقائها
و طهرها و طهر القوانين الفطرية التي فطر الله الناس عليها ... مما أربكها في المضي قدما بالمشروع الإسلامي الذي خطته لنفسها منذ البداية . و هذا الإنحراف عن الإستمساك بالحق ، قد فرق شمل أفرادها و جلب مآسي و كوارث لأعضاء هذه الحركة لا تحصى و لا تعد تماشيا مع القانون الإلاهي الأزلي : " و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " على عكس ما يظن قادتها .
صيف 1990 أوقفتني الشرطة بتهمة الإنتماء إلى حزب التحرير الإسلامي ، و قد كنت وقتها أعمل بمخزن لبيع مواد البناء ... لكن الأعوان الذين فتشوا منزلنا لم يجدوا ما يثبت اتهامهم لي ما عدا بعض المنشورات التي كان حزب التحرير يوزعها في مساجد العاصمة ، و قد أكدت لهم حصولي عليها بغرض الإطلاع على أفكار حزب التحرير لا غير ... و بعد بحث استمر 5 أيام أطلق سراحي دون محاكمة . و عدت لمواصلة تعلمي بالمعهد العالي للتنشيط الثقافي .
في الحقيقة بهرتني أفكار حزب التحرير في البداية لتماسكها الظاهري ... لكن فكرة الخلافة
و الخليفة الذي يحكم و يتبنى الأحكام و غيرها من الصلوحيات ... لم ترق لي ... و رأيت أن "حزب التحرير الإسلامي" – في آخر المطاف – يريد أن يستبدل استبداد الحكومات العربية و أنظمتها البوليسية بنظام أشد استبدادا و أخطر على مستقبل أمتنا الإسلامية... و قد أبديت هذا الرأي في رسالة ختم الدروس بالمعهد العالي للتنشيط الثقافي عام 1992 (راجع الرسالة في كتاب : نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه + مشروع بناء حضارة بديلة الصادر عن المطبعة العصرية بتونس 2009 ).
أواخر عام 1994 وصلتني برقية من وزارة الثقافة تعلمني فيها بإيقافي عن العمل و إيقاف مرتبي " من أجل تربص غير موفق "!?
جمعت حقائبي صحبة زوجتي و قصدنا قرية سيدي بوعلي ... فرفضت أمي استقبالنا في منزل والدي المرحوم سالم بن عمر!? ثم عثرنا على منزل متواضع للكراء ، فأقمنا فيه .
في الحقيقة يعود قرار الطرد إلى أواخر عام 1993 إذ أوقفت عن العمل لمدة تزيد عن الشهر بحجة تغيبي عن العمل دون إشعار الإدارة !? و قد كنت بعثت بشهادة طبية إلى المندوبية الجهوية للثقافة ببنزرت .. لكن يبدو أن الإدارة رفضت سبب الغياب فادعت أني لم أقم بإشعارها . انتهزت حينذاك فرصة إيقافي عن العمل و قصدت كتابة الشؤون المالية و وزارة الثقافة استوضح سبب إيقافي ، فمكنني الكاتب من ملفي فعثرت على وثيقة بالصدفة ضمن أوراق ملفي بعث بها مدير إدارة التنشيط السيد بوبكر بن فرج إلى السيد وزير الثقافة يعلمه فيها أنه قد بلغ إلى علمه أن السيد "محمد بن عمر كان عضوا نشيطا بحزب التحرير الإسلامي " لما كان طالبا بالمعهد العالي للتنشيط الثقافي " فكان رد الوزير بخط يده على هامش هذه الوثيقة ، بضرورة أخذ الإجراءات اللازمة لإيقافي عن العمل !?
استطعت أن أخرج من الوزارة بسرعة فائقة دون أن يلمحني الكاتب واستنسخت هذه الوثيقة الهامة ثم أرجعت ملفي إلى الكاتب الذي كان يظنني أمام مكتبه بصدد الإطلاع على ملفي ..
كانت هذه الوثيقة الهامة البرهان الساطع الذي تقدم به محامي السيد محمد علي الشريف لدى المحكمة الإدارية ضد وزارة الثقافة لإلغاء قرار الطرد التعسفي . و قد صدر الحكم عام 1998 و قد رفضت الوزارة الإستجابة لقرار المحكمة بحجة أنه يتعذر تنفيذه !?

"إن مجتمعا لا تلبى فيه الغرائز بصورة طبيعية هو مجتمع متخلف " .. هذا ما كان يردده محمد بلهجة فيها كثير من الجد و الحرارة.
" إن المجتمع الذي تكبت فيه الحرية و يستشري فيه الإستبداد
و يلبي فيه أفراده غرائزهم بصورة ملتوية يسهل انبهاره بتقاليد و قيم مجتمع آخر و يفقد الثقة بتقاليده و قيمه ، فيتلاشى بذلك الإنسجام الداخلي للمجتمع و يفقد القدرة الذاتية على النهضة
و بناء الحضارة .."!
تذكرت كل هذا لما كنت راجعا من عند صديق المغامرات . استوقفني موزع البريد فجأة و سلمني رسالة ، قلبت الرسالة بسرعة ، كدت أطير من الفرحة عندما تبينت على الظرف خط محمد.. رجعت إلى المنزل و أنا أسابق الزمن ، فتحت الظرف ، حجم الرسالة كبيرعلى غير ما عودني عليه محمد ، و تساءلت بيني و بين نفسي " هل تراه وجد حلا لشكه و حيرته !؟"
" لن أحدثك هذه المرة عن نفسي ، سأسرد عليك قصة عجوز عرفته في المدة الأخيرة ..
قال محدثي : " كنت أسكن بحي شعبي في إحدى ضواحي العاصمة ، سعيت و أنا في مقتبل العمر إلى تحسين وضعي الإجتماعي ،سافرت كثيرا إلى خارج حدود الوطن ، حتى جمعت رأس مال محترم ، بعد سنوات من الغربة و التشرد ذقت فيها العذاب ألوانا .. و عرفت الحرمان و الخصاصة ، رجعت بعدها إلى بلادي ،و كونت مشروعا تجاريا ناجحا .. و انتشلت عائلتي كبيرة العدد من الفقر ، حتى أحسست أن الزمن بدأ يهدني هدا و يقتطع مني كل يوم جزءا ، فسارعت و بحثت عن فتاة تكون رفيقة دربي فيما بقي لي من أيام لتشاركني أفراحي و أتراحي و تعينني على تحمل أعباء الحياة .
رأيتها تتبختر ذات يوم في إحدى شوارع المدينة ، كانت ممشوقة القوام ، رقيقة الملامح ،صافية العينين ، حنونا ،فخفق قلبي لها ،و أحسست أني مكبل بقيود جمالها و أنوثتها ، و سألت عنها ، فقيل لي إنها أجمل فتاة في الحي الذي تسكنه .. فتزوجتها . "
" لقد أصبحت تسيطر على أحاسيسي بجمالها الفتان ، و تملكني شعور بعجزي عن حماية هذا الجمال من عيون الذئاب التي تلتهمه التهاما بشراهة كلما خرجت من المنزل و تشرئب لها الأعناق ، كلما سارت في الشارع ، و تحول عجزي إلى غيرة قاتلة ..!
" أصبحت أغير عليها من كل شيء ، من كل شيء .."
و تنهد الشيخ من الأعماق كأن قلبه يحترق أسفا و حزنا .. ثم قال : "و في هذا الجو الغريب ولدت ابنتي رابعة .." ثم يصمت الشيخ برهة و يحدجني بنظرة حالمة ثم يقول بصوت منخفض : " كنت أنتظر أن يخفف مقدمها حدة توتر العلاقة بيني و بين أمها "
و قطب الشيخ في تقزز و ندت عنه الكلمات بلا وعي .. و في ازدراء شديد ..: " و لكن شيئا من ذلك لم يحدث "
و تمتم في ارتباك وهو لا يدري ماذا يقول : " تحولت غيرتي إلى هوس مزمن لم أستطع منه فكاكا ..!؟ "
"كنت أتقدم نحو الشيخوخة و العجز و كنت أرى زوجتي في غاية الجمال و الأناقة و الحيوية،
و صرت أكره هذا الجمال و صاحبته و أحقد عليها كثيرا . و تحول حقدي إلى عنف ، فكلما حاولت زوجتي الإقتراب مني زجرتها و عنفتها واعتقدت أنها تخدعني ، حتى أمست حياتنا جحيما لا يطاق .. و انتهت بالطلاق .ثم يصمت الشيخ برهة و يواصل قائلا :" يبدو أن شعوري بعجزي و بخيانة مطلقتي بقي يشغل بالي .. كنت أنتظر أن تتغير حالتي .. و يفارقني هذا الشعور الغريب بعد أن بقيت ابنتي رابعة في بيتي و تحت رعايتي .. " على أن شعوري نحو أمها لم يتغير بل كنت أتسقط أخبارها من حين لآخر .. حتى بلغني أنها قد سافرت للعمل خارج حدود الوطن ،
و يسعل الشيخ حتى خلت أن روحه .. ستصعد إلى بارئها .. ثم يواصل حديثه وهو يرتجف كمن به حمى ..: " رجعت يوما من العمل ، كانت رابعة نائمة كملاك ، دخلت غرفتها ، و بسرعة غمرت ذهني الخواطر المرعبة .. و تصورتها أمها .. و في تلك اللحظة تملكني حقد كبير على الجمال و صاحبته ، و بدون أن أشعر وجدتني أخمد أنفاسها و أنا أصيح بصوت كالرعد : " لا .. لا يمكن أن تعيشي أكثر .. "
ألقيت بالرسالة على السرير و أنا أرتعد من شدة الغيظ . و تساءلت بيني و بين نفسي : " ماذا يعني محمدا بسرد هذه القصة المحمومة وقد كنت أنتظر منه أن يحدثني عن حاله ؟
عملت مدرسا خصوصيا لبعض أقسام الإبتدائي بقرية سيدي بوعلي بعد طردي ، وانتقلت زوجتي للتدريس بالفرادى من معتمدية النفيضة ... لم تسعنا الحياة بسيدي بوعلي بسبب كثرة المشاكل العائلية التي تلاحقنا من قبل أمي ... فخيرنا الإنتقال إلى مدينة حمام الأنف ، أين عملت بالشركة التونسية للنقل البري ببن عروس ، و عملت زوجتي مدرسة بمدرسة بوصفارة بحمام الأنف ... واستطعت تأليف أول كتاب لي و إصداره عام 1995 و كان بعنوان : اللسان العربي و تحديات التخلف الحضاري في الوطن العربي الإسلامي .(راجع الكتاب الصادر عن المطبعة العصرية بتونس عام 1995).
إن إقامتي بمدينة حمام الأنف سهل لي التواصل مع عديد الصحف الوطنية ... كما نشرت أول مقال لي بصحيفة القدس العربي و كان بعنوان: حياة أنعام (راجع المقال بمدونتي " إسلا م 3000 ).
Islam3mille.blogspot.com
ثم تتالت كتاباتي بهذه الصحيفة الغراء .. و بعض الصحف
و المجلات العربية .
تحمست السيدة آمال في البداية للأفكار التي كنت أكتبها
و شجعتني كثيرا على الكتابة و حضور المهرجانات الثقافية التي كان يقيمها التجمع الدستوري الديمقراطي في مختلف جهات الجمهورية ... لكن خضوعها لضغوطات كثيرة من قبل بعض عضوات الإتحاد النسائي التي كانت تنتمي إليه ، و عدم رضا أبيها عن زيجتنا قد أثرت فيها بشدة حتى صارت تخشى على وظيفتها .
بدأت المشاكل تتسرب إلى حياتي مع زوجتي حتى صرنا نعيش جحيما لا يطاق .... فقررنا أواسط عام 1998 الفراق الأبدي ، على إثر خصومة بسيطة بمدينة جرزونة ببنزرت التي كنا قد انتقلنا إليها لتونا ... و عملت هناك تاجرا متنقلا حتى أستطيع
تحمل كل المصاريف لوحدي بما فيها نفقة طليقتي و ابنتي شيماء المولودة حديثا . لقد كشفت طليقتي بعد انفصالنا عن شخصية رهيبة و قاسية عكس ما توسمته فيها، بل لا تزال تصرفاتها تربكني إلى اليوم. !?


في الحقيقة بدأ صدامي مع السيدة آمال منذ بدايات تعارفنا ...فقد اكتشفت صدفة أنها تدخن بنهم كبير ، على إثر خروجها من مرحاض بدار الثقافة الشيخ إدريس ببنزرت ، أين كانت تختفي لتدخن "سيقارتها" ، و قد حذرتها من تواصل هذه العادة السيئة ، و قلت لها لو علم أهلي بأني سأتزوج من مدخنة لظنوا تلقائيا أنك "فاسدة " من بنات المواخير ، هكذا يعتقد جل سكان قريتي الساحلية إلى اليوم ، كانت آمال تريني صور صديقاتها المحجبات لتوهمني أنها تتجه صوب ارتداء اللباس الشرعي الإسلامي !? لكني كنت أعتقد من خلال سلوكياتها أنها تكذب و أنها أصلا لا تصلي بالمنزل كما تزعم كلما ذكرتها بفريضة الصلاة ،كانت رأسها الكبيرة مليئة بالخرافات و المعتقدات الشركية الفاسدة ، "فجدها الأكبر سيدي البشير " كانت ترى أنه لو اشتريت لها ذهبا قبل دخولي بها سيحرق كل جهازها و يفسد حياتها معي عقابا لها على مخالفة تعاليمه !?

كما اكتشفت بعد كتابة عقد الزواج أن المرأة التي سهلت لنا كتابة عقد القران لم تكن سوى عرافة كانت تقصدها آمال لتبحث لها عن زوج و تسهل" مكتوبها "و قد نهبت منها مالا كثيرا مقابل خدماتها في اصطيادي !? كما اكتشفت أن هذه العرافة كانت ترسل لي رسائل كلامية عن طريق آمال للكشف عن توجهاتي الفكرية و انتماءاتي السياسية !? إن هذه المعطيات قد أدخلتني في حيرة وارتباك ... و ألقت بي في جحيم لا يطاق ، كان سببا في قطع علاقتي بها زمنا لكن الرقة التي كانت تبديها تجاهي
و اعتذاراتها المتكررة و حاجتي الماسة إليها جعلتني أستجيب لدعوتها في الاقتران بها على أن تقطع صلتها نهائيا بـ"أمها سيدة " كما تناديها ، خاصة بعدما علمت بوسائلي الخاصة أن هذه السيدة تجمع في منزلها بالكرم ثلة من الشواذ جنسيا و تتوسط لبعض الأجانب – من ليبيا و تركيا .. – في عقد صفقات جنسية مع بناتنا و نسائنا... !?
"لا تظنوا بي أيها السادة ظن السوء، فتعتقدون أني أصبحت بوقا لمحمد " أنا لست مسئولا عن مشاكل العالم، أنا فقط أبحث عن الخلاص لنفسي " " لقد جف نبعي ، بي ظمأ كبير إلى الحياة
و بهجتها ، أريد أن أكرع من لذاتها كما يكرع الطفل من ثديي أمه الحليب و الحنان ،، بي شوق إلى الحياة شديد ، أريد أن أقبل على الحياة بدون مساحيق المجتمع التي تكبلنا و تصنع منا شخصيات غير التي نريد أن نكون ،إن حياة الإنسان تجربة من جملة تجارب عديدة تقع أمام أعيننا كل يوم ، فلماذا نحمل أنفسنا أكثر مما تطيق !؟ و لماذا لا نترك السفينة تمضي حيثما تشاء !؟
الحياة لا تستحق زفرة واحدة و لا دمعة حزن ، فلماذا نندم ، و لماذا نتخاصم و لماذا الإحن التي بيننا ... و لماذا كل هذه الحروب و الخصومات ؟؟! لماذا لا يعيش الناس في محبة و سلام و وئام !؟
أنا أريد أن أحيا كالطفل في عفوية تامة ، إني أكره المساحيق ، مساحيق المجتمع و قيوده الضالة الجانية المجرمة ... أريد أن أكون أنا و ليس كما يريدني الغير .. لماذا لا نعيش التعدد
و التكامل و الوحدة !؟ إني لأعجب من تنوع عناصر الطبيعة مع تناسق أجزائها و تكامل أدوارها فلماذا لا نتنوع نحن البشر
و نتناسق و نختلف و نتكامل !؟ إن الطبيعة رحبة فلماذا لا تتسع صدورنا للآخر !؟ و لماذا لا نقبله كما هو ، و لماذا نتراشق بالسهام و نتصارع و نتناحر و الشجر يعلمنا أنه كلما قذف بالحجر ألقى بثماره اليانعة !؟
لماذا لا يرتع المرء بين الثمار اليانعة المتواجدة في كل مكان حتى يشعر بالإمتلاء و الحب و الأمل و الأمان .. و تمتلئ حياته سعادة و بهجة و سرورا !؟ إنها ينبوع الحياة و سر الوجود ، الخيرات تملأ الأفاق .. لكن لا أحد بلغ الشبع و الإرتواء ، لماذا كل هذا يا ترى ؟!؟
ما هي قيمة الإنسان إذا لم يقدر على تكريس مباهج الحياة
و خيراتها لفائدة أخيه الإنسان !؟ هل خلق الإنسان ليعذب أخاه الإنسان !؟
أواه منك أيها العالم ، كل شيء فيك غريب ؟ عجيب ، محير ، مقرف ، مخجل ، قلت فيك المروءة ، و ندر الحياء ، و انقرضت القيم ، يتحكم في مصيرك الخبيث و اللئيم و المهرجون ، ... أواه ... ثم أواه ... كل شيء فيك يشعر بالإختناق و التأفف ، يظنك الجاهل بخفاياك فيك رواء للضمآن و أنت تسقيه السم الزعاف
و لا يشعر ..
!؟ أحياؤك ميتون و ما يشعرون !؟ سوائم بدون قوائم ، و لا يدرون ؟ على وجوههم هائمون !؟
أما متنبؤو العصر الحديث ، المقروءات و المسموعات و المرئيات ... فتلقي الإحن بين الأفراد و الجماعات و المجموعات .. والعداوات !؟ و الناس في غيهم سائرون ، و على نهجهم ماكثون ، لكن أمي أراها أخذت تنزع عنها ثوب الهوان .. و تسير بخطى ثابتة نحو الهدف المراد .. فإلى الأمام يا أعز أم في الوجود .. و لا تخشي شيئا و لا تجبني ، فأنت عاشقة بك صبابة ، و لا يخشى العاشق الولهان .. !
كان لآمال ابن عم يدعى صالح من "جومين" ، و كان صالح هذا يزورهم من حين لآخر و يبيت عندهم في منزلهم الضيق ، فحذرتها بعد عقد قراني عليها من تركه يبيت بمنزلهم لأنه غير محرم ، و بعد نقلي إلى سيدي بوزيد هاتفتني زوجتي من بنزرت من مركز عمومي للهاتف ، و أ بلغتني أن ابن عمها يسلم علي وهو حاليا يتواجد معها ، فهالني الأمر و علمت أن زوجتي لا تحترم قراراتي ، فما كان مني إلا أن أرسلت لها مكتوبا أعلمها بضرورة انفصالنا لاستحالة تفاهمنا واختلافاتنا الجذرية في كل توجهاتنا الفكرية و الدينية ... و رجوتها أن نطلق بالتراضي قبل دخولي بها ... لكنها أصرت على تواصل علاقتنا و وعدتني أن لا تعصي لي أمرا مستقبلا.. ثم لحقت بي إلى مدينة سيدي بوزيد و تكبدت مشاق السفر و مخاطر الطريق و أمضت معي أسبوعا لتسترضيني ، مما جعلنا نتفق على إتمام مراسم الزواج في شهر أفريل من عام 1994، و قد استطاعت استرضاء أبيها للموافقة على إتمام مراسم الزواج بمنزله .
عجيب أمر هذه المرأة التي صارت زوجتي، فرغم كونها إطارا تربويا ... إلا أن الخرافات تملأ رأسها حتى أخمص قدميها !?
اعتقدت أن زواجي بها و إقامتنا بسيدي بوزيد سيصلح قليلا من سلوكياتها الشاذة و يرتقي بأفكارها الساذجة ، ... لكن شيئا من ذلك لم يتحقق ، حتى أن تلميذة تجرأت و قالت لي بمكتبي ، إنها قادرة على تنغيص حياة زوجتي إذا شاءت ذلك ... قالت لي هذا الكلام على خلفية حوارها مع زوجتي التي كانت تصر على زيارتي بالعمل كل يوم. فهي تتصرف و كأنها قد اختطفتني أو تزوجتني غصبا ... ؟! قلت لها ذات مرة مازحا : إني قد تزوجت قبلها خمس مرات و لم ألاحظ على واحدة منهن غيرة ... فصدقت كلامي و ثارت ثائرتها و بقيت تنوح يوما كاملا. ؟! حلمت ذات ليلة أن جارتنا المطلقة "نجاة" بحمام الأنف قد مارست معي الجنس، فبقيت تعتقد بصحة "حلمها" إلى اليوم حتى بعد طلاقنا !? لم أكن أتصور قبل زواجي أن امرأة متعلمة بل إطارا تربويا يمكن أن تعشش برأسها الخرافات و السذاجة بهذا الشكل مطلقا. كلما خرجنا في نزهة يملؤني الحنق و الغضب على زوجتي بشكل فضيع حتى صرت أخشى على نفسي من الأمراض المزمنة التي يعاني منها جل التونسيين المتزوجين ... لقد استطاعت إرباك حياتي منذ تعارفنا و تحويل حياتي إلى جحيم لا يطاق .
حاولت إقناعها مرارا أن ننفصل بالتراضي لأني لم اعد أستطيع تحمل غرامات طلاق الإنشاء بعد طردي من وزارة الثقافة، لكني فشلت ... تركت لها المنزل ذات يوم بحمام الأنف و قفلت راجعا إلى قريتي متعللا أني سأجمع منابي من الزيتون من إرث والدي المرحوم سالم بن عمر ... و أعلمتها أني لن أعود إليها حتى تكف عن التصرفات الرجالية معي .. !? و تعود أنثى قلبا و قالبا ... فصارت تهاتفني كل يوم و تترجاني العودة إليها و تعدني بإصلاح نفسها و أخطائها في حقي ... لكن دون جدوى !? لقد أدخلتني هذه المرأة في حيرة مزمنة ... حتى صرت أعيش الكوابيس بالليل و النهار ، فهجرتها أواخر 1997و أقمت بمدينة سيدي بوعلي و أقامت هي بمنزل والدها ببنزرت ... في شهر ماي 1998 أقنعتني بالسكن معها بمدينة جرزونة قريبا من منزل والدها و كانت في الأشهر الأخيرة من حملها بشيماء ... لكن يبدو أنها كانت تهدف إلى استرجاع بعض أدباشها التي كنت قد أخذتها معي إلى سيدي بوعلي ... إذ بمجرد إقامتنا هناك لأيام انتهزت فرصة خروجي لصلاة العشاء يوم الجمعة 22 ماي 1998 و غادرت المنزل دون رجعة ... و كانت مغادرتها المنزل آخر عهدي بهذه المرأة العجيبة، إذ استعملت كل الحيل القانونية الممكنة حتى نطلق بالتراضي وهذا ما حدث و الحمد لله .
بقيت مقيما بجرزونة على عكس ما اشتهت السيدة آمال إذ ناشدتني مرارا بعد مغادرتها المنزل
و ولادة ابنتي شيماء يوم 19 جوان 1998 أن أعود إلى قريتي !? و كانت تأمل من وراء ذلك أن تتمكن من تحقيق كل مطالبها في مطالب النفقة و غيرها ... حتى تستطيع تكبيلي بأحكام قضائية تجعلني أركع أمامها طلبا للرحمة و إعادتها لي بحسب شروطها هي . !? و حتى لا أستطيع مواصلة إجراءات الطلاق الوضعي الذي يشيب من هوله البنون ... و حصلت بتاريخ 5 نوفمبر 1998 في القضية عدد 14713 التي كنت رفعتها ضد وزارة الثقافة على حكم يقضي بإلغاء قرار الطرد ، و بادرت بإعلام الوزارة بالحكم بتاريخ 17 جويلية 1999إلا أن الوزارة امتنعت عن إرجاعي إلى وظيفتي بحجة أنه يتعذر تطبيق الحكم . !?
رجعت أواخر سنة 2000 إلى قريتي بعدما أنهكتني تجربة الطلاق و التي كادت تدمرني لولا رحمة ربي .. حتى أن قاضي الصلح قد توجه إلى طليقتي مخاطبا إياها بحدة : " لو كنت مكان زوجك لكنت الآن مجنونا متنقلا في شوارع بنزرت حافي القدمين !?" هكذا نطق هذا السيد بعدما عرف خطورة المشاكل التي كادتها لي طليقتي بمعية "توتة" زوجة أبيها و بتدخل سافر من والدها عون الأمن المتقاعد و الذي ألجمه الله بلجام الصمم بسبب ما اقترفه في حق عباد الله !?
عجيب أمر المرأة في تونس !!! يبدو أن القوانين الوضعية الظالمة التي استنوها لها و للأسرة عموما منذ استقلال تونس تحت مسمى " مجلة الأحوال الشخصية " ( راجع موقع: )
news.maktoob.com/story_list/816369
الحداثة التغريبية المرأة التونسية أتعس نساء أهل الأرض!ببسب
قد حولت هذا الكائن الذي فطره الله على الرقة و اللطف و الشعور الأكيد بالحاجة الماسة إلى حضن الرجل و سكينته ... قد تحول هذا الكائن تحت تأثير هذه القوانين الوضعية الظالمة إلى كائن شرس أضعاف شراسة الرجل ... ترى بأم عينك أن صفة الحياء و الحشمة قد نزعتها المرأة التونسية عن نفسها حتى صارت كاسية /عارية و قد غيرت خلق الله في لباسها و فكرها و سلوكها ...فتضاعف الطلاق ... و اشتد الصراع بين الرجل و المرأة و كثرت العداوات بين الرجل و المرأة و بين الأخت و أخيها و بين التلميذ و زميلته في المعهد أو الجامعة .. !?
كل المجتمع صار يعيش في دوامة من العنف اللفظي و المادي لأنهم بقوانينهم الوضعية الظالمة المتصادمة مع فطرة الخلق صار الكل يخضع لضغوطات أسرية و مهنية واجتماعية ... حولت حياة الجميع إلى ضنك في العيش و اسودت الدنيا في عيون الجميع وادلهمت الخطوب ... إنه وعد الله يتحقق فينا لأن مجتمعنا حكاما و محكومين قد أعرضوا عن آيات الله و قوانينه التي أمر بإتباعها في تنظيم علاقات بعضنا ببعض . !?
لقد جربنا نحن التونسيون القوانين الوضعية الظالمة واقتبس حكامنا ما شاءوا من القوانين الوضعية الأوربية لكن حالنا تزداد سوءا يوما بعد يوم !? و مشاكلنا الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية تزداد تعقيدا حتى استشرى الإدمان بالخمر و المخدرات بين جميع الفئات هروبا من المشاكل و عجزا أمام الأوضاع المأساوية التي صار يعيشها المواطن في كل مكان . لقد أدى بنا تطبيق القوانين الوضعية التي لا تراعي محارم الله
و حدوده إلى مهالك لا تحصى و لا تعد واستفردت أقلية ضالة عن هداية الله بكل ثروات البلاد و احتكرت المناصب الفاعلة في المجتمع
و النفوذ المطلق حتى غدا الإستبداد سيد الموقف و صار الإستفراد بالرأي سمة غالبة على تصرفات كل أفراد المجتمع
و مختلف الفئات الإجتماعية و النخب السياسية و رؤوس الأموال و الأعمال.
يظن المسلمون في تونس و في سائر بلاد العالم الإسلامي ، أن القوانين الفطرية التي أوحى الله بها إلى نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ، هي قوانين مرحلية تخضع للتطور و الإجتهاد و تختلف باختلاف الزمان و المكان ... فعملوا بعد نيل استقلالهم على اقتباس القوانين العلمانية ، التي لا تستند في استنباطها على القوانين الإلاهية في القرآن ، رغم وحدة هذه القوانين الإلاهية منذ نزول آدم عليه السلام إلى الأرض ، لأنها قوانين فطرية مسطرة بعلم الله منذ الأزل ... فظلوا و أظلوا و تنكبوا عن نور الله و هدايته و بصائره .. فتاهوا في ظلمات بعضها فوق بعض. و عوض تحقيق الإستقلال و التقدم الحضاري لبلدانهم
و نشر الأمن و الإستقرار بين مواطنيهم ... تراهم قد ازدادوا ارتكاسا و تخلفا وارتهانا لقوى الإستعمار و الإستكبار العالمي!? و حولوا بجهلهم و ظلمهم لأنفسهم ثرواتهم و مناجمهم البرية
و البحرية و الطاقية إلى فيء منتهب من قوى الإستكبار بأبخس الأثمان و أزهد الأسعار، مما حول كل "القادة " و "الزعماء"
و الشعوب الإسلامية إلى خدم و عبيد لمن استعمرنا بالأمس القريب . !?
إن قوانين الله المفصلة في القرآن هي قوانين فطرية أزلية لجميع المؤمنين بالله في مختلف الأزمان و الأمكنة لكن إنزال هذه القوانين الأبدية إلى الواقع المعيش للمؤمنين هو تنزيل نسبي و حيني يخضع للتأقلم و مراعاة الظروف الزمانية و المكانية .. فعندما يؤمر المؤمنون في حياة الرسول ص بــــ"
و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة " فلا شك أن القوة في ذلك الحين تتمثل أساسا في الخيل و السيف و السهم ... أما في عصرنا الحاضر ف"القوة" تتمثل أساسا في الدبابة و الطائرة الحربية و الصواريخ المتنوعة ... و هكذا فإن كلام الله و أوامره تبقى أوامر و قوانين أبدية يلتزم جميع المؤمنين باتباعها دون تأويل يحيد بها عن الوضوح الذي تتسم به كل أوامر الله و نواهيه في القرآن .أما أوامر الرسول صلى الله عليه و سلم بتعلم الرماية و ركوب الخيل ... فهي أوامر نسبية لا تصلح إلا لأتباعه من المؤمنين في عصره... و بالتالي لم تعد صالحة لنا في عصرنا الحاضر مهما أولناها . و هكذا تكون أوامر الله و قوانينه في القرآن / الوحي المعجز هي أوامر
و قوانين أزلية مطلقة صالحة لكل زمان و مكان ... أما كلام الرسول و أحاديثه و قراراته و أوامره فهي أوامر نسبية لا تصلح لنا في عصرنا الحاضر. (راجع الرسالة في كتاب : نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه + مشروع بناء حضارة بديلة الصادر عن المطبعة العصرية بتونس 2009 ).
إن تشبث " علماء الدين"في ديارنا الإسلامية بأقوال الرسول صلى الله عليه و سلم ، و تركيزهم عليها دون السعي الجاد لإقامة "دولة التوحيد" التي تنزل كل شريعة الله إلى دنيا المسلمين ... في صلب أنظمة علمانية مستبدة لا تحتكم إلى ما أنزل الله، يعتبر انحراف كبير عن الإسلام و شرك بالله لا يغتفر
و صد عن سبيل الله و كفر به ، وجب على المؤمنين الصادقين مقارعته بالحجة الدامغة لتخليص المسلمين من العنت الذي وقعوا فيه .- راجع موقعي على الأنترنات :
Islam3mille.blogspot.com
إن مغادرة السيدة آمال لمنزلنا بجرزونة شكل لي في البداية صدمة عنيفة و ضربة قاسمة ... ارتأت زوجة أبيها "توتة" أنها ستؤدبني و ستجعلني أركع تحت قدميها و أعتذر عن زواجي من ابنتهم بدون الحصول على رضا أبيها "الحاكم بأمره" .
لكن بعد موافقة صديقي مكرم ابن صاحب المنزل الذي أقيم به ، العمل معه كتاجر متنقل بين حانات مدينة بنزرت و سيطرتي على المصاريف التي كنت أحتاجها للبقاء هناك ، كل ذلك جعلني أشعر براحة كبيرة و أعود شيئا فشيئا إلى طبيعتي الهادئة ، و بدأت أحس لأول مرة منذ زواجي بهذه السيدة العجيبة .. أن الدماء عادت إلى عروقي من جديد ، كمن كان قد غرق في بئر عميقة يتربص به الموت من كل مكان ، و فجأة تدخلت القدرة الإلاهية لإنقاذي من الموت المحقق . خاطبني صديقي رضا وهو ضابط بالبحرية : - الآن فقط عادت الدماء إلى وجهك يا محمد !? وهو الذي كان يراني من حين لآخر قبل انفصالي عن زوجتي . ثم أردف : – لا شك أنك كنت معقدا من مصاحبة امرأة بدينة بذلك الشكل . !?
بدأت أتعافى رويدا رويدا ... من الكوابيس التي سببتها لي هذه الزيجة الملعونة ، و التي أهوت بي في مكان سحيق ، خاصة بعدما استطعت احتضان ابنتي شيماء لأول مرة بعد ولادتها بأشهر عديدة !?
قبل عودتي من بنزرت إلى سيدي بوعلي عام 2001، تمكنت من بيع أرض فلاحية ، ثم قمت ببناء بيت بالسانية على أمل أن أقوم بتربية الأرانب و الدواجن العربي و غرس بعض الأعلاف ... لكن يبدو أن القدر قد أبى علي سلوك هذا النهج ، إذ تبين لي بعد جهر البئر و تنظيفه أن الماء المستخرج شديد الملوحة و لا يصلح لأي نوع من الزراعات !? فغادرت إلى ليبيا بعدما تكبدت خسائر فادحة ، ثم عدت دون الحصول على أي عمل يذكر . فعملت حارسا لمؤسسة تربوية بشط مريم ، ثم عاملا بمعمل البلاستيك بسيدي بوعلي ثم قررت شراء حاسوب و تكوين ناد للإعلامية الموجهة للطفل ... و بمجرد أن تناهى للسلط الأمنية نجاحي في هذا المسعى سعت بكل قوة إلى عرقلة نشاطي ... و قد نجحوا بعدما انسحب شريكي بالمحل و صاحب بعض أجهزة "البلاي ستيشن " تحت "ضغط الأمن" فعملت بجوهرة الساحل مشرفا على مركز عمومي للأنترنات ، فكادوا لي مرة أخرى
و أدخلوني السجن يوم 12 ماي 2004 بتهمة إصدار شيكات بدون رصيد رغم أني لا أملك حسابا بنكيا مطلقا ، و قد حكموا علي بعامين و ثمانية أشهر دون ذنب اقترفته .( راجع البرقية الموجهة لرئاسة الجمهورية التونسية بتاريخ 17 جويلية 2008) !? و قد نشرت هذه البرقية في جريدة الموقف التونسية تحت عنوان : تهم كيدية ضد مدير دار ثقافة ص 8 بتاريخ 12 سبتمبر2008 !?.
لا أعرف بالضبط ما الذي كان يدفع بأمي إلى كسر شوكتي
و تحطيم نفسيتي منذ كنت طفلا يافعا !? !? !?.أذكر أني عندما كنت في الرابعة من عمري و كان والدي لا يزال حيا ، انتهزت فرصة دخول أمي إحدى الغرف و أخذت حفنة من " البطاطا" التي كانت أمي بصدد قليها ، فكان عاقبتي "شحطة قوية " بعصا ، مما أغضب والدي العجوز!? ... كنت كلما كبرت ازدادت أمي قسوة في معاملتي !?اصطادتني ذات يوم بمساعدة أخي الأكبر سمير ، و أخذت تنهال علي ضربا على رأسي وهي تصيح : " نحب نجننك... نحب نجننك ... !?
كلفتني و أنا تلميذ بالابتدائي ببيع البيض المسلوق ب"ريلي القرية " للسياح و المسافرين فجرا !? كما كلفتني دون إخوتي بالوقوف الساعات الطوال أمام البلدية في انتظار السيد الطاهر – رئيس البلدية - قصد الحصول منه على مساعدات مالية لسد رمق العيش !?....
لا أزال أسائل نفسي إلى حد اليوم : لماذا كانت تكلفني أمي دون سائر إخوتي بهكذا أعمال !?
و لماذا تبالغ في قسوتها معي !? كنت أتعذب و أتألم بعنف
و تنكسر شوكتي إذا ما خاصمتني و قاطعتني لأتفه الأسباب . كان المحفز على كل عذاباتي مع أمي الفكر الديني الذي اعتنقته منذ نعومة أظفاري ، و الذي يصور للإنسان واجب طاعة الوالدين و الإحسان إليهما و إن ...ظلما .. و إن كفرا ... و إن مزقاك إربا ... إربا !? !? !? . لما انتقلت للتعليم الثانوي بدأت في مراجعة هكذا عقلية تصادم الفطرة ... فطرة ميل الإنسان إلى العدل
و كراهية الظلم مهما كان مصدره ... فكتبت "كراسا" أكدت فيه أن طاعة الوالدين غير ملزمة للأبناء إن بان ظلمهما للأبناء و التعدي على حقوقهم ... و دللت على مذهبي بقصة نبينا إبراهيم عليه السلام الذي أعلن هو و أتباعه العداوة
و البغضاء لقومهم حتى يعودوا عن كفرهم و ظلمهم .. كما أعلن عليه السلام تبرئه من أبيه آزر . هكذا استطعت أن أخفف عن نفسي حدة ما كنت أستشعره من عذابات مدمرة إثر كل خصومة معها و التي كانت لا تكف عن افتعال الخصومات لأتفه الأسباب . !? لقد أصرت عام الباكالوريا أن لا تتركني أجتاز الإمتحان الذي طالما انتظرته للخروج من القرية ... فتحديتها و اجتزته بنجاح رغم الصدمة العاطفية الأولى التي تسببت فيها حبيبتي رابعة .. !?
و تحديتها لما أقمت علاقة وثيقة مع أختي من الأب سالمة و مع كل من كانت تعاديهم أمي . و حصلت على المنحة الجامعية طيلة سنوات دراستي بالمعهد العالي للتنشيط الثقافي ... كما صرت أعمل لحساب نفسي في العطل الصيفية حتى لا أحتاج إلى مساعدة أحد ... واستطعت بوسائلي الخاصة السفر إلى فرنسا في تربص ب15 يوم ، رغم ما أبداه رئيس مركز الشرطة بسيدي بوعلي السيد فتحي من تمنع في تمكيني من جواز السفر . كما تمنعت أمي و أختي سعاد عن إقراضي بعض المال للسفر، فاستعرت من ابنة خالتي عائشة التي كانت تطمح للزواج بي ... و هكذا كلما تلبستني مشكلة ، قيض الله لي حلا ... و بدأت تجتاحني مراجعات فكرية في كل المناحي الحياتية و كتبت فصولا مسرحية عن أصحاب الكهف ، كما كتبت عديد "الكراسات "التي تتطرق لمختلف المواضيع ، و قد أحرقت كل هذه الكراسات بفعل فاعل ، داخل البيت الذي كنت ابتنيته بالسانية ... بعد دخولي السجن في شهر ماي من عام 2004 ، كما استطعت الاحتفاظ بلوحات قصصية رسمت فيها بعض ذكرياتي بقريتي قبل التحاقي بالجامعة كان عنوانها " ذكريات زمن مضى " (راجع هذه اللوحات في مدونتي :
) Islam 3mille.blogspot.com
يوم 12 ماي 2004، استدعتني مصالح الشرطة بسوسة بدعوى الاسترشاد عن عملي الجديد بمركز عمومي للأنترنات بمدينة جوهرة سوسة ، و على إثر إتمام كل الإجابات على كل استفساراتهم وقع إيقافي بتهمة إصدار شيكات بدون رصيد ، فقمت بإعلام صاحب المركز العمومي للأنترنات السيد رفيق
و أخي فرج بموضوع إيقافي .. ثم نقلت في نفس اليوم إلى المحكمة الإبتدائية بتونس ثم مباشرة إلى سجن 9 أفريل ... و بعد أخذ و رد وارتباك واستفسار ... علمت أنه محكوم علي بالسجن لمدة عامين و ثمانية أشهر و ثلاثة أيام !? !? لم أصدق ما يحصل لي في البداية واعتقدت أن هناك خطا ما و تشابه في الأسماء ... إلى حين زارني أخي سمير بالسجن و أكد لي صحة الحكم الصادر ضدي .
استدعاني السيد مدير السجن بعد أيام قليلة من إيقافي واقترح علي العمل منشطا ثقافيا بالسجن ... لكني رفضت و حاولت إقناعه ببراءتي من التهمة المنسوبة إلي و رجوته نقلي إلى سجن المسعدين بسوسة حتى يستطيع أهلي زيارتي و مساعدتي على تبرئة ساحتي من هكذا تهمة باطلة . !? فنقلت أواخر شهر جوان 2004 إلى سجن المسعدين أين تمكن إخوتي من زيارتي و تعهدوا بمساعدتي على إظهار براءتي . !?
إن إحساسي بجرم أمي بحقي و حق إخوتي كان يتعاظم يوما بعد يوم ... كانت كل أفعالها و أقوالها تبرز شخصية معقدة و مريضة ، قد اجتاحتها الأمراض المزمنة و العلل حتى لم يبق لها من فطرتها التي فطرت عليها شيئا يذكر ، فالأم تمثل في وجدان كل إنسان : الرأفة و الرحمة بأبنائها و التضحية في سبيل نموهم نموا سليما بكل غال و نفيس ، و أمي صارت تصارحني أنها تمقت أبي المتوفى منذ العام 1973 ... بل و أنها ستحطمني بكل ما أوتيت من قوة ... و قد سعت في أكثر من مناسبة إلى تحريض الشرطة و تلفيق التهم ضدي منذ كنت طالبا بل و زعمت مؤخرا- شهر فيفري 2010 - للحرس الوطني أنها أجبرتني على الخروج من منزل والدي بسبب أنشطتي صلب "الحركات الإرهابية " و أني حتى بعد سكني بالغابة مازال "بعض الإرهابيين" يترددون علي بالسانية !? و قد استمع لمكيدتها بعض الأغبياء و بحثت يوم 4 فيفري 2010 لمدة تزيد عن الأربع ساعات ثم أطلق سراحي بعد العاشرة ليلا ، و قد اتهمني أحد هؤلاء الأغبياء بأني قد أضعت وقتهم دون فائدة تذكر !?
لقد استغلت أمي صفتها أبشع استغلال ضد فلذة كبدها ... كما استغلت زياراتها لي بالسجن عام 2004 لإبداء الشماتة بي .. كما زعمت - بعد خروجي من السجن - أنها قد صرفت علي ما يربو على الألف دينار ... !? و قد أرجعت لها هذا المبلغ و زيادة .. !?
لذلك اخترت مقاطعتها إلى الأبد و التبرؤ منها أمام الله، اقتداء بتبرؤ إبراهيم عليه السلام من أبيه آزر و قومهما لما تبين أنهم أعداء لله عز وجل .
بدا لي السجن غريبا عجيبا ... يظم بين جدرانه أصنافا من المتهمين و المنحرفين و المرتشين ... كل يحدثك بافتخار عن الجريمة التي ارتكبها ... !? كما يصر معظمهم على مواصلة انحرافهم و شذوذهم داخل جدران السجن ، و يتعهدون بمزيد إتقان انحرافهم و شذوذهم بعد خروجهم من السجن ... و هذا ما يجعل نسبة العود إلى السجون التونسية تفوق نسبة خمسين بالمائة ... !? وهي في ارتفاع مستمر حسب إحصاءات "السلط الرسمية" !?
بقيت أشهر عديدة لا أصدق ما يحصل لي و أني داخل جدران السجن ... و كانت أحلامي كلها تتراءى لي أني حر طليق ، أبحر عبر الشبكة العنكبوتية إلى مختلف أنحاء العالم . لقد أسعدني أن أرى ذات ليلة في حلمي ما كنت أراه في حلمي خارج أسوار السجن : وهي عثوري على جواهر ثمينة مطمورة تحت حائط
و كلما نبشت التراب كنت أعثر على المزيد من هذه الجواهر الثمينة ... فبدأ يداخلني بعض الإرتياح من جديد ... كما استطعت الحصول على سرير منفرد بعدما أرشيت " الكبران " المشرف على الغرفة وهو منحرف في جعبته أكثر من جريمة و أكثر من ثمانية عشر سنة سجن . !? و قد كنت أشترك مع "قروي " سيء الأخلاق و الطباع في نفس السرير، و قد سجن بسبب السرقة . !? كان أملي كل يوم أن يأتي من يناديني للخروج من السجن بعدما كلف إخوتي (2) محاميين للدفاع عني و إثبات براءتي .
لقد شكل دخولي السجن بسبب تهمة باطلة كليا صدمة عنيفة هزت كل كياني ... كما شكل ضربة قاسية و قاسمة لظهر أصبح يستعصي على القصم ، لكثرة ما اشتدت عليه نوائب الدهر
و ملماته منذ زمن بعيد .... !? بدأت استعيد عافيتي النفسية شيئا فشيئا ، و قد صار لي أصدقاء بالسجن نصلي معا و نقرأ القرآن
و نتجاذب أطراف الحديث في شتى المواضيع و القضايا ... وانتخبني جمع من قدماء نزلاء السجن بالمسعدين لإمامتهم في الصلاة و قراءة القرآن ... كما استفسرت عن تهم كل الذين يساكنونني الغرفة ... و كان أقساهم عقوبة مواطن من مدينة مساكن قد أمضى أكثر من عشر سنوات في السجن بسبب تهمة الإنتماء لحركة النهضة ، قال لي أنهم عثروا في سيارته على سلاح ناري " فرد" لما قفل راجعا من فرنسا عائدا إلى تونس دون أن يكون يعلم بهذا السلاح المخفي في سيارته . !?و قد بدا لي أن مستواه العلمي ضعيف جدا على غير عادة المتهمين بالإنتماء . !? كما كان يحفظ بعض سور من القرآن بطريقة خاطئة في النطق وهو لا يكاد يبين في قراءته ... و يتاجر ببعض حاجيات المساجين ... مثل السكر... و النسكافي ... و الياغرت ...
بدأت أخوض مراجعات عميقة في حياتي ، لحياتي الفكرية السابقة في كل تفاصيلها شبيهة بمراجعات "ميخائيل نعيمة " لحياته في " اليوم الأخير " و بدأت تتكشف لي فكرة : " أن الله قد أتى بي إلى السجن رحمة منه حتى أجد " الفرصة الملائمة لإعادة تقييم حياتي بما فيها من نجاحات و إخفاقات مرة ... كما تأكد لي أن لا شيء يحدث صدفة في الحياة و إنما كل شيء بقدر خضوعا لنواميس مسطرة من قبل الله لجميع مخلوقاته .. فلا وجود للصدفة مطلقا في حياة البشر .. و حتى دخولي السجن بتهمة باطلة يخفي حكمة إلاهية بدأت تتكشف لي معالمها يوما بعد يوم منذ إقامتي بالسجن . إن ما تعلمته و عرفته و سمعت به في بضع أشهر داخل غيبات السجن قد فاق في أهميته كل السنوات التي قضيتها خارج أسوار السجن . !?
أواخر شهر أكتوبر 2004 طلبتني الشرطة الإقتصادية بالقورجاني ، فأعادوني إلى سجن 9 أفريل مرة أخرى ، في انتظار البحث معي في القضية الملفقة ضدي . و هناك شاءت الحكمة الإلاهية أن أساكن في نفس الغرفة "ب 2" مجموعة هامة من أعضاء حركة النهضة و على رأسهم الدكتور أحمد الأبيض صاحب كتاب " من أجل حياة جنسية إنسانية و ناجحة " و قد كنت طالعت هذا الكتاب قبل التحاقي بالمعهد العالي للتنشيط الثقافي ... إنها لفرصة ثمينة أن تلتقي بأحد منظري حركة النهضة داخل أسوار السجن و التي كنت أعتبرها حركة إسلامية قد انحرفت عن طهرها و عذريتها بعد عام 1987 و قد صارت من بنات المواخير،مما قيض الله لجل أفرادها و قادتها أن يساموا سوء العذاب من قبل النظام الحاكم و يدخلوا السجون التونسية بسبب من انحرافهم عن نهج الرسل عليهم السلام . لذلك وجدت الفرصة سانحة للتهكم على مواقف هذه الحركة تجاه حرية المرأة ...
و مجلة الأحوال الشخصية سيئة الصيت ... و التشكيك في مرجعية مواقفها ، و تبيان أن جل مواقفها المعلنة لا تمت للإسلام و لا لقوانين الله المفصلة في القرآن بصلة ... مما جعل بعض مساجين الحق العام يتبنون مواقفي في مواجهة مواقف حركة النهضة و هم لا يزالون لي أصدقاء منذ زمن .
لقد اكتشفت ذات حوار مع الدكتور الأبيض بأنه لا يؤمن بالملائكة التي يمكن أن تقاتل مع جنود دولة التوحيد ، نافيا بذلك نصوص قرآنية صريحة في هذا الشأن . !? لقد أكدت لي مواقف الدكتور
و الزمرة التي تقيم معه من حركة النهضة أن هذه الحركة هي "حركة علمانية " لا تمت بكبير صلة في مفاهيمها و معتقداتها إلى مفاهيم الدين الإسلامي و معتقدات المؤمنين . !? إذ كيف يتنكر هؤلاء الأزلام – بدعوى العقلانية و التفتح على منجزات العصر – لحقائق الدين و ثوابته و قوانينه الأزلية و التي ذكر بها كل الأنبياء عليهم السلام في مختلف العصور و الأزمان و المثبتة في نصوص القرآن !? إن هؤلاء الأنجاس و الذين ادعوا باطلا تبنيهم للإسلام " منهج حياة " قد خربوا ديارهم بأيديهم و أيدي أنظمة الكفر لما تنكروا لثوابت القرآن و حقائقه الأزلية ... فهلكوا
و أهلكوا كل من تبع نهجهم الضال عن هداية الله في القرآن .
و لا يزال "هؤلاء الإخوان " الذين تحسبهم جميعا و قلوبهم شتى ، يعملون معاولهم التخريبية في جسد أمتنا تحت لافتات شتى ... شعارهم الحصول على السلطة مهما كان الثمن !?
ماذا فعلوا في السودان أو في فلسطين لما استطاعوا الإستيلاء على السلطة سوى مزيد تفريق الأمة و تأليب الأعداء . !?
لقد استشعر هؤلاء الإخوان عداوتي لأطروحاتهم فقاطعني جلهم خاصة بعدما صرت أؤلب على مواقفهم الضالة مساجين الحق العام . !?
يبدو أن شهر ماي قد صار يشكل في وجداني " شهر الصدمات " العنيفة التي تهز كياني هزا عنيفا ... !? !? فالسيدة آمال قد اختارت شهر ماي "لتؤدبني " !? و هاأنذا أدخل السجن في نفس هذا الشهر لتأديبي على جرم لم أرتكبه !? لقد صار الجميع يسعى لتأديبي و التنكيل بي بدءا بوالدتي وانتهاء بزوجتي و الفراعنة المتألهين ... لأن عذريتي الفكرية والسلوكية لم ترق لكل هؤلاء المنحرفين عن فطرة الله التي فطر الناس عليها حتى غدت عودتهم من متاهاتهم شبه مستحيلة !? و على عكس شهوة هؤلاء المنحرفين ، جعلتني صدمتي الأولى أعيش ولادة جديدة شبيهة بولادة ابنتي شيماء و التي تزامنت ولادتي الجديدة مع ولادتها ... أما ولادتي الثانية / صدمتي الثانية فقد أزاحت عن بصيرتي حجبا كثيفة كانت تخفي عني حقيقة "الإخوان المسلمين " في تونس و في العالم الإسلامي،
و دورهم التخريبي في كيان الأمة الإسلامية التي لا تزال تعيش في ظلمات بعضها فوق بعض ، بما يبثه هؤلاء الدراويش من فكر ظلامي ، تستحيل معه أي نهضة أو تقدم ... !? لقد أتاح لي السجن فرصة المراجعة العميقة لكل ما اختزنته من قيم و مبادئ و مواقف فكرية على مدار سنوات طويلة ... فقد أهداني سجين من مدينة بن قردان مصحفا صغير الحجم بسبب تعذر قراءته عليه ... فوفر لي فرصة ثمينة لتجميع آيات القرآن بحسب المواضيع المطروقة .. و قد لفت انتباهي بادئا ذي بدء أن آيات الجهاد و القتال في سبيل الله كلها آيات " مدنية " أي أن الإذن للمسلمين بالقتال في سبيل الله قد جاء بعد هجرة الرسول صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة بعد أن استطاع عليه السلام بناء أول دولة في الإسلام ، و بما أن الرسول صلى الله عليه و سلم يمثل القدوة العملية لكل المسلمين في أي زمان
و أي مكان في تنزيل الوحي / القرآن، فإن الخروج عن النهج الذي سلكه النبي عليه السلام يشكل انحرافا خطيرا عن مبادئ الإسلام ... و هكذا بدأت تتشكل لي رؤية تأصيلية واضحة عن الإسلام و مفاهيمه .. و بهذه الطريقة "التجميعية " لآيات القرآن و سيرة الرسول صلى الله عليه و سلم على مدار عامين ، بدأت تنجلي لي حقيقة آيات القرآن الأزلية الثابتة و التي تشكل في آخر المطاف فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ... و بدأت تتضح لي معالم الطريق شيئا فشيئا .... لقد كنت أستشعر حقائق الإسلام و سنن الله و قوانينه الأزلية في الكون و الإنسان و الحياة منذ إقامتي بمدينة حمام الأنف عام 1995 ... لكن أفكاري لم تكن مؤصلة و مدعمة بإحصاء آيات القرآن .. فقد كتبت حينذاك في صحيفة القدس العربي مقال تحت عنوان : ردا على الأفندي و عفيف الأخضر ، علمانيون و إسلاميون تراثيون حولوا الإسلام و الغرب إلى صنم يتعبدونه ... !? !? و مقال تحت عنوان : الثابت و المتغير .... و كانت كل هذه المقالات تؤشر إلى ما توصلت إليه بعد قيامي بتجميع آيات القرآن بحسب مواضيعها . كما كنت كتبت قبل دخولي السجن : الإسلام يكره الإرهاب و يجرم الإرهابيين ... (راجع كل هذه المقالات في كتابي : نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه + مشروع بناء حضارة بديلة الصادر عن المطبعة العصرية بتونس عام 2009 ).
بعد انتهاء فترة مراجعتي للقرآن الكريم كمصدر وحيد للتشريع في الإسلام و مراجعة كل أفكاري
و قناعاتي أذن الله لي بالخروج من السجن ، أواخر شهر فيفري 2006 فقمت بتأليف كتاب : نحو بناء حضارة إسلامية جديدة ، شكل خلاصة مراجعاتي بالسجن طيلة عامين و قد حاولت نشره لكن باءت كل محاولاتي بالفشل خاصة بعد امتناع المكتبة الوطنية إعطائي تأشيرة النشر ، متحفظة على بعض ما ورد فيه .. !? !?
بعد خروجي من السجن أواخر شهر فيفري 2006 كانت حاجتي متأكدة لإعادة تجربة الزواج ... فعملت نجارا و أصلحت أثاثي القديم .. وارتبطت بسرعة فائقة بأم ابني نصير الله ، حتى أن هذا الزواج قد فاجأ أمي و إخوتي ، إذ كانت أمي قد خططت لإفشال هذه الزيجة عن طريق أختي نرجس و زوجة أخي سمير .. لكن مسارعتي إلى عقد القران على زوجتي بدون علمهم، أربك الجميع و جعل كل مساعيهم تبوء بالفشل .
هكذا هي حياتي منذ وعيت الحياة : تحديات و عقبات و مؤامرات لتحطيم كل ما أسعى لبنائه .. مما جعل ظهري عصية عن القصم .
بعد ولادة ابني نصير الله بثلاثة أشهر ، أوقفتني الأجهزة الأمنية للحرس الوطني بفوشانة من ولاية بن عروس يوم 1 أفريل 2008 بسبب إحداثي لمدونة في الأنترنات تحت عنوان :
Islam3000.blogspot.com
-(راجع جريدة الموقف ليوم 12 سبتمبر 2008 تحت عنوان ، تهم كيدية ضد مدير دار ثقافة ).
و يبدو أن النداءات الثلاث التي وجهتها للشعب التونسي و للمرأة التونسية و لخطباء المساجد ... و التي بلورت فيها مفاهيم لبعث دولة التوحيد في تونس ... قد هزت أركان النظام التونسي هزا عنيفا بسبب وضوح الرؤية و صوابها و تجاوزها لكل أطروحات الإسلاميين و القوميين و اللائكيين ...(راجع هذه النداءات في مدونتي :
) daawatalhak.blogspot.com (
مما جعل جنود فرعون يسعون جاهدين طيلة أسبوعين عن طريق التعذيب و التعليق عاريا
و الصفع و حرماني من النوم لأن أقر بارتباطي بجهات أجنبية تحرضني على افتكاك السلطة في تونس !? !?! و لما فشلوا في مسعاهم الباطل لفقوا لي تهمة : مسك منشورات من شأنها تعكير صفو النظام العام ، !? !?! فحوكمت على إثرها بثلاثة أشهر سجن قضيتها بين سجن المرناقية
و صواف بزغوان ... دون اعتبار2 أسبوعي التعذيب !? !?!.
و قد وجهت إثر خروجي من السجن برقية إلى رئيس الجمهورية أناشده فيها الاقتصاص من الظلمة و الكف عن تلفيق التهم الباطلة ضدي و الخضوع للقانون مثل سائر مكونات المجتمع (راجع نص البرقية في جريدة الموقف ليوم 12 سبتمبر 2008 تحت عنوان ، تهم كيدية ضد مدير دار ثقافة ). ) .. !? !?!
لكن لا حياة لمن تنادي، فالطغاة لا يمكن أن يعترفوا بجرائمهم في حق شعوبهم ، فهمهم الأول تسخير البلاد و العباد لمصالحهم و مصالح كهنتهم و سحرتهم من رجال الدين و البهتان و كلاب حراستهم الذين كان يفترض أن يسهروا على راحة المواطن و حماية الوطن من الأعداء . راجع كتابي : نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه + مشروع بناء حضارة بديلة الصادر عن المطبعة العصرية بتونس عام 2009 ).
قبل إيقافي يوم 1 أفريل 2008 و إيداعي السجن حتى يوم 11 جويلية من نفس السنة ، كان الله قد هيأ لي كل الظروف الملائمة لإنضاج كل أفكاري التي كنت بدأت التوصل إليها عندما أدخلت السجن في المرة الأولى و التي كنت قد بلورتها في كتاب بعنوان :" نحو بناء حضارة إسلامية جديدة"
و الذي ضمنت جميع مقالاته مدونتي :
Islam3000.blogspot.com ((و قد حجبت السلطات هذا الموقع مباشرة بعد أن نشرت فيه البرقية الموجهة لرئيس الجمهورية بتاريخ 17 جويلية 2008)
بعدما كانت السلطات الثقافية قد رفضت نشره !? !
إن نشر كل أفكاري مجمعة في مدونة بعدما أضفت إليها نداءاتي للشعب التونسي بدت للسلطة
و كأنها صادرة عن زعيم حزب سياسي عالمي !? ! هذا ما صرح لي به أحد الضباط !?! لقد كلفت بالإشراف على معمل البطريات الكائن بسبالة الشيخ من معتمدية المحمدية ... و هذا المعمل يقع في منطقة فلاحية نائية عن العمران ... و لم يفلح صاحب المعمل المغلق بسبب الإفلاس في فتحه رغم كل المحاولات .. كان المعمل فسيحا ... به مساحات فلاحية هامة فانتهزت الفرصة لزراعة بعض البقول و الإعتناء بها و تربية الدواجن ..
. و صرت أقضي كامل اليوم مطالعا للصحف و المجلات و الكتب ... و مفكرا في مسائل الكون و الإنسان و الحياة ... و قد جسدت كل تأملاتي في مقالات أحسست أنها هزت لأول مرة أركان الداخلية التونسية التي طالما اتهمت المعارضة بعدم امتلاكها لبرنامج !?! و هذا ما جعل مستجوبي يتوهمون أني بصدد تقديم برنامج سياسي /حضاري للإستيلاء على السلطة بل و يصرون أني بصدد "تحريض" الشعب على الثورة .. !?! و قد كرروا على مسمعي كل هذه الاتهامات سواء خلال إيقافي بمركز فوشانة للحرس الوطني أو بقاعدة العوينة أو بوزارة الداخلية ... !?!
----------------------------------

كنت قد نشرت 2 مقطعين من النداء الذي وجهته للشعب التونسي أناشده فيه تبني سنن القرآن
و قوانينه العادلة في تنظيم مجتمعنا التونسي ، عوضا عن القوانين الوضعية الظالمة التي يحبرها المتألهون من قومنا
و التي حولت أكثر من أربعين في المائة من الرجال التونسيين إلى عاجزين جنسيا ... واستشراء الأمراض المزمنة بمجتمعنا كأمراض السكري و الدم الغليظ و السيدا و الفقر و البطالة
و فقدان المرأة لأنوثتها ... كما لفت انتباه الشعب إلى ما تبثه إذاعة" الزيتونة للقرآن الكريم " من سموم و ترويج لفكر الدراويش و بيع صكوك الغفران ... قصد تخدير الشعب
و الهيمنة على مقدراته باسم الدين . !?!
و عدت يوم 1 أفريل 2008 إلى المركز العمومي للأنترنات بفوشانة لكتابة المقطع الثالث ، و كنت بصدد كتابة السطر الأول من الخطاب لما اقتحم علي المركز ثلاثة رجال بلباس مدني و طلبوا مني مدهم ببطاقة التعريف الوطنية ... و اقتادوني إلى سيارتهم الرابضة أمام مركز الأنترنات في مشهد بوليسي رهيب كمن يقبض على مجرم خطير !?! في الحقيقة كنت أتوقع أن يقع استدعائي بطريقة حضارية للاستفسار عن بعض الأفكار التي صرحت بها خاصة و أن النظام قد أعلن أن سنة 2008 هي سنة الاستشارة الشبابية عن مستقبل البلاد ، بالإضافة إلى كوني قد بدأت في نشر أفكاري تزامنا مع عيدي الإستقلال و الشباب .. كما أني معروف بمعارضتي السلمية للنظام و لمختلف الأحزاب الإسلامية و العلمانية التي تعج بها دولنا العربية ذات الأنظمة الإستبدادية !?! بل و حرصت أن أبعث بهذه المقالات إلى كل الصحف و الإذاعات الوطنية و لم يسعفني الحظ لبعثها لرئاسة الجمهورية ... رغم حرصي لفعل ذلك . فاعتقدي راسخ أن أفكاري و قناعاتي تنسجم مع كل الإرادات الخيرة في مجتمعاتنا الإسلامية ... و ليس لي ما أخفيه مطلقا .
أخذني قائد فرقة مقاومة الإجرام !?!هكذا ! بصحبة بعض الجنود المغاوير ، مكتف اليدين ، إلى مقر إقامتي بسبالة الشيخ ، واقتحموا بيت نومي و أخذوا كل الوثائق التي وجدوها و لم تسلم منهم حتى شهاداتي العلمية ... و لا يزال جواز سفري محجوزا رغم حصولي على حكم منذ 19 نوفمبر2009 يقضي بإلغاء قرار وزير الداخلية و التنمية المحلية بحجز جواز سفري ... إنها دولة القانون
و المؤسسات !?! و قاموا ببحثي في مكتب قائد الفرقة السيد " وسام " و قد تشبثوا بأن هناك من يكتب لي المقالات و يحرضني ضد الدولة .. !?! ثم استأذن السيد وسام " من أعلى سلطة في الدولة كما جاء على لسانه" لتعذيبي و التنكيل بي صفعا و تعليقا و ضربا بالفلقة ذات المسامير الحادة ، حتى دميت قدماي من شدة الضرب و لم تعد تقدران على حملي !?! و كان الهدف من التعذيب أن أعترف على من يحرضني على كتابة المقالات ... !?! أو على الأقل ذكر اسم واحد قد اعتنق الأفكار التي أروجها في الأنترنات !?!و هددني باغتصاب زوجتي أمامي إن أنا أصررت على الإنكار !?! عجبت من هكذا اتهامات لأستاذ يكتب في الصحف الوطنية و العالمية منذ ما يربو عن العشرين سنة !?! في دولة يزعمون أنها دولة القانون و المؤسسات و في فترة حساسة يطالبون فيها الشعب بإبداء رأيه فيما يخص مستقبل تونس و حاضرها !?! كما يعلنون ليل نهار تقديسهم لحرية التعبير و تحريم التعذيب تحت أي مبرر !?! بعد أن أوقفوا التعذيب شعرت أنهم بدؤوا يقتنعون أن كل ما حبرته كان من بنات أفكاري... لكنهم كانوا مصرين على دفني في السجن بتهمة تكوين عصابة أو ما شابه !?!هكذا صارت الأجهزة الأمنية في ديارنا !?! عوض حماية أمن المواطن و تشجيعه على الفكر و الإبداع و إعمال العقل ... صاروا يحاولون دفن كل من امتلك ناصية الفكر و النقد و الإبداع !?! قال لي احد الضباط المتقدمين في السن : هل تحسب نفسك زعيما !?! ماذا يكون موقف الدول الأجنبية عندما تستمع لكلامك !?! ملمحا لما ورد في خطابي من أن يتهيأ التونسيون لقيادة العالم إذا ما استطاعوا إقامة " دولة التوحيد " التي تحتكم إلى شرع الله في كل صغيرة و كبيرة . كل ما صار يهم القوى النافذة في أمتنا ، موقف الغرب و رضاه عنا
و لو كان ذلك على حساب تخلينا عن مصدر قوتنا و وحدتنا و ازدهارنا .. !?! هذا ما كنت قد ألمحت إليه منذ سنوات خلت في مقالات نشرتها في جريدة القدس العربي . !?! راجع هذه المقالات في مدونتي :
Islam3mille.blogspot.com

لا أعرف بالضبط ما الذي جعلني استحضر محمدا لما كنت راجعا من العرض المسرحي الذي أقامته ثلة من الشباب ،كان العرض قد تناول صراع " الذات " مع " الآخر "و كيف أن الإنسان بحاجة أكيدة إلى تحديد هويته ، في الحقيقة كان عرضا مملا ، إذ كثر فيه الصخب ، و ردد الممثلون الكثير من الشعارات ، الرنانة التي سئمت سماعها .. خاصة أنها لم تواكب بإبداع فني !؟
" كنت قد اجتمعت مع محمد في مجلس حضرته نخبة من الشباب ، و كان معنا المنذر الذي عاد لتوه من فرنسا لمواصلة تعليمه الجامعي ، بعدما قضى بها أربع سنوات يدرس علم الإقتصاد .
و كان المنذر" يزين لنا الحياة في الغرب حتى نعرف الحياة الحقيقية من حياة التفاهة و التعاسة " على حد تعبيره !؟
و قال وهو يهز رأسه في زهو و عجب : " إن الحياة هناك ممتعة و لذيذة ، هناك يا أصدقاء يعرف المرء معنى تدفق الحياة ، حياة التحضر و العقلية المستنيرة ..لا حياة الجمود و التوحش و الإبتذال !؟ فقال محمد محتجا : " و لمن نترك هذا الشعب المسكين " أيها المنذر !؟ ثم استطرد قائلا : " الأولى بنا يا أصدقاء أن نفكر في بناء حضارة أرقى من الحضارة الغربية التي تبهرنا .. و حدج محمد المنذر بنظرة حادة : " ماذا ينقصنا حتى نعول على أنفسنا ، ثروات طائلة و سواعد تنتظر البناء و التشييد !؟ فقال المنذر و قد افتر ثغره عن ابتسامة ظفر و وارتياح ،
- تريدنا يا محمد أن ننتظر حتى تقام حضارتنا الموهومة ، " ترقب يا دجاجة حتى يأتيك القمح من باجة " و سكت المنذر و حدج الحاضرين بنظرة انتصار ثم نظر إلى محمد نظرة تهكم و استفزاز و قال و عيناه تتقدان سرورا ، " دعونا يا جماعة نشارك القوم متعهم و نكرع من الحياة كما يكرعون .. و نسلك طريقهم حتى نكون لهم أندادا ، أما محمد فيدعوكم إلى الوهم و إضاعة أعماركم في ترقب أمل زائف ".
كان الحاضرون يترقبون أن يرد محمد على هذا التهكم بشدة لكن محمد استمع إلى المنذر بانتباه شديد ، و صمت قليلا حتى سكت الغضب و الإنفعال عن المنذر و قال بأدب جم : " أصدقائي ، لا تغرنكم كلمات المنذر ، و لا تنسوا أنكم قلب الأمة النابض ، المنذر يدعوكم إلى التخلي عن مسؤولياتكم تجاه أمتكم التي تنتظر منكم خيرا كثيرا . المرء بطبعه يبحث عن السهولة .. و اليسر و يخشى التعب و تحمل المسؤوليات " .
و التفت إلى المنذر و ربت على كتفه و قال موجها له حديثه : " من حقك أيها الصديق أن تذهب إلى هناك و تنعم بحياتك دون أية منغصات .. فنحن لسنا بحاجة لإلى أمثالك ، فأمثالك لا يرجى منهم خير أبدا " .
و تمتم المنذر في ارتباك وهو لا يدري ماذا يقول : " ماذا تقول يا محمد !؟ أو تظن نفسك زعيم هذه الأمة !؟ و من حملك مسؤولية النهوض بها !؟
ثم قام وهو يهز كتفه مغيظا محنقا : " كلكم قد نصبتم أنفسكم زعماء لهذه الأمة ، كلكم تزعمون أنكم ستنهضون الأمة من كبوتها .. !؟ لكن أين الفعل ؟؟ نريد الفعل يا ناس ؟؟ نريد الفعل ... لقد سئمنا كثرة أحاديثكم ، ورثتم عن العرب القدامى زخرف القول و قلة الفعل ، لم ترثوا عن سوق عكاظ إلا الأحاديث المنمقة " . و صاح بأعلى صوته : " نريد الفعل ... نريد الفعل ...".
و حرك محمد رأسه موافقا و قال : " الآن نستطيع أن نتحاور ، و نتفاهم ، نريد الفعل ، معك كل الحق في هذا القول !" .
و هتف محمد من الأعماق و قال : " إن انبهارنا بالغرب سلب منا كل قدرة على الفعل .. إن تقليدنا للنمط الغربي في الحياة قد مسخ شخصيتنا حتى أضحينا عاجزين عن الفعل و الإبداع ... إن التقليد يا إخوتي قد أعشى أبصارنا على ما يحمد من حضارة الغرب . حالنا يا جماعة حال الذي يريد أن ينجو من الغرق و ما هو بناج ، ثم قال بصوت ينبعث من أعماق فؤاده : ليتنا أدركنا منذ البداية أن الحضارة : تواصل و إبداع : الإنبهار جعلنا نهتم بالتفاهات دون إدراك الحقائق في التاريخ .. ثم سكت محمد و استجمع قوته و قال في حزم و صراحة .. : " الغرب ! ذاك الذي يبهرنا بإنجازاته وابتكاراته .. ألا تساءلنا كيف بنى قوته ؟ لقد خضع في مسيرته إلى قاعدة : التواصل و الإبداع ، التواصل يظهر فيما قام به فلاسفة الأنوار من مجهودات جبارة في إحياء ما خلفه أجدادهم مثل سقراط و أفلاطون .. و أرسطو .. ثم نقلوا ما أبدعه علماء المسلمين و فلاسفتهم في شتى الميادين . لقد نقلوا علوم المسلمين و معارفهم دون أن ينقلوا أخلاقهم و تشريعاتهم .. بل شوهوها تشويها مغرضا و حطوا متعمدين من قيمتها "
تململ محمد قليلا و جعل ينقل طرفه بين الكتب المتراصة في الخزانة ثم استلم كتابا و تصفح أوراقه ، كان الجميع يرمقونه بأعين متسائلة ، و تنهد محمد و حدج الجميع بعين فاحصة و قال : " اسمعوا ما يقوله " فولتير" : " إن محمدا ولد أميرا واستدعي لتسلم مقاليد الأمور عن طريق الناس له ... و لو أنه وضع قوانين سليمة ، و دافع عن بلاده ، لكان من الممكن احترامه و تبجيله ، و لكن عندما يقوم راعي إبل بثورة و يزعم أنه كلم جبريل و أنه تلقى هذا الكتاب غير المفهوم الذي تطالع في كل صفحة منه خرقا للتفكير المتزن : حيث يقتل الرجال و يخطف النساء لحملهم على الإيمان بهذا الكتاب ، مثل هذا السلوك لا يمكن أن يدافع عنه إنسان لم تكن الخرافات قد خنقت فيه نور الطبيعة ... "
نظر محمد إلى الوجوه المقطبة الممتلئة حنقا و كأنها تتأهب للإنقضاض على عدو مقيت فشجعه ذلك على مواصلة الحديث فقال بصوت كالزئير و قد تناثر ريقه : "كلهم سعوا إلى ذلك متعمدين ..: " محمد لم يستطع فهم النصرانية ... و لذلك لم يكن في خياله منها إلا صور مشوهة بنى عليها دينه الذي جاء به للعرب ، هذا ما قاله "أديسون" . و وجدت نفسي أسائل محمدا: " و لماذا قاموا بهذا التشويه ؟"
فسدد محمد نحوي نظرة ذات معنى و قال : " لأنهم يدركون بالبداهة أن مجتمعهم إذا انبهر بقيم مجتمع آخر ، يفقد ثقته بتقاليده و قيمه ، فيتلاشى بذلك الإنسجام الداخلي للمجتمع و يفقد بذلك القدرة على النهوض و بناء الحضارة ...
و سمعنا صياحا و عويلا .. تبعه طرق قوي على باب المجلس ، فخيم الصمت و التساؤل على وجوه الحاضرين ، و ملأتنا الرهبة ، فأسرع رضا و فتح الباب و حملق في القادم و قال بصوت مرتجف : " هو أنت يا خالد !؟ ماذا تريد!؟ ماذا حدث !؟
فتمتم خالد بصوت خفيض، مهموس: " توفي الشيخ الذهبي، صدمته سيارة هذا المساء ... !
و حمل إلى المستشفى .. غير أنه فارق الحياة !؟ نعم فارق الحياة على أبشع صورة يمكن تخيلها !؟
و عم اللغو في المجلس ثم سمعنا محمدا يقول بصوت لا يخلو من رنة الأسف: " رحمة الله عليك يا عم الذهبي .. لقد كانت حياتك عظة .. و كذلك موتك .. !؟ " ثم خرج كل من كان في المجلس و افترقنا .
نقلت في ثالث يوم من إيقافي بمركز الحرس الوطني بفوشانة إلى مقر المخابرات التونسية بالعوينة ... فوجدت جمعا غفيرا من الموقوفين ... يجلسون على كراسي منفردة في نظام ، و قد قيدت أيديهم إلى الخلف و صوبت أبصارهم إلى الحائط ... و قد علمت فيما بعد أنهم ينتمون جميعا إلى "حزب التحرير الإسلامي" الذي ينادي منذ خمسينات القرن الماضي بإقامة خلافة إسلامية ...
و قد مات زعيم هذا الحزب و باعثه منذ زمن بعيد و لم يحقق شيئا يذكر !?! سوى تركه لمؤلفات عديدة لعل أبرزها كتاب "الفكر "و كتاب " مقدمة الدستور " و كتاب "النظام الإقتصادي في الإسلام " ... لقد مات المقدسي تقي الدين النبهاني مخلفا وراءه تركة ثقيلة من المفاهيم و الأفكار التي ساهمت بقسطها في تكلس فكر المسلمين و جعلهم يعيشون خارج الإطار الزماني و المكاني لحياتهم ... فازدادوا تخلفا و تفرقا و ضعفا إلى ضعفهم و عجزا تاما عن مواجهة مشكلات حياتهم السياسية و الإقصادية و الإجتماعية ... مما حول كل بلادهم إلى فيء منتهب من قبل قوى الإستعمار العالمي حتى أضحت أعراضهم تداس في أسواق النخاسة !?!
لقد جنا على كل هؤلاء الموقوفين من الشباب فتى في العشرين من عمره رأيته مرارا يستجدي بقايا السجائر من "الأعوان" لأن حزب التحرير يعتبر الدخان من" الطيبات التي أحلها الله لعباده المتقين " !?! و قد تعامى منظرو هذا الحزب أن الدخان يساهم بقسطه في "تغيير خلق الله" و الفتك بحياة الملايين من البشر كل عام ، مما يجعله من المحرمات قطعا... !?!
هكذا جاءت بي القدرة الإلاهية لأقف وجها لوجه مع أفراد الحزب الذي سبق أن أوقفني الأمن عام 1990 بتهمة الانتساب إليه !?!
أقعدوني بجانب العم مصطفي الذي يبدو أنه قد تخطى الستين من عمره ، و قد قيل لي أنه قائد كل الشباب الموقوفين و رئيسهم في تلقينهم أفكار حزب التحرير ... كان الوحيد الذي لم تقيد يداه إلى الخلف احتراما لسنه على ما يبدو ... حدثته عن سبب إيقافي فتنبأ لي بإطلاق سراحي .. وهو ما كنت أظنه في البدء .. !?!
لقد بدأت الصورة تتضح لي الآن ... لا يزال "الأمن " يعتقد بعد مضي ما يقرب من عشرين سنة من إيقافي عام 1990، أن لي ارتباطات بحزب التحرير !?! و يسعى جاهدا لإلصاق تهمة الإنتماء إلى حزب غير مرخص فيه ... رغم أني كنت أطلق على قيادات "النهضة" و " حزب التحرير " / الدراويش/ نظرا لأنهم لا يزالون ينظرون بمنظار التراث إلى مشكلات العصر الحديث .. وهو لعمري قد حكم عليهم بالعمى الأبدي و بأن يعيشوا خارج مجريات التاريخ المعاصر و أفقدهم أي قدرة على الفعل !?!
إن الموت أهون علي من الانتساب إلى هكذا عميان البصر و البصيرة !?!
بدأ قائد الفرقة بلباس مدني بحثي مساءا بمعية ضابط ، طويل القامة ، يرتدي البزة العسكرية ،
و بعض الأعوان الذين كانوا يحرسون الموقوفين ... خاطبني قائدهم بتهكم حين أدخلوني عليه : - اجلس على هذا الكرسي !?! ملمحا إلى كوني أسعى وراء الكراسي في نشري لأفكاري على الشبكة العنكبوتية ! فكان ردي : رفض الجلوس .
بدا على كل الحاضرين الإنصات و الإهتمام بمختلف الشروحات التي أقوم بها في توضيح الأفكار التي أروجها ... و خاصة الفكرة التي تقول بوحدة الشرائع السماوية منذ خلق آدم .. و بالتالي لا وجود مطلقا لتشريع نبوي يدعيه المسلمون منذ وفاته عليه السلام ، مما فرقهم إلى فرق و أحزاب متناحرة ، متقاتلة !?!
و تلوت عليهم : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ... الآية 13 من سورة الشورى . و رأيت أن كلام الله / القرآن تحديدا/ هو كلام مطلق أزلي صالح لكل زمان و مكان ... بينما كلام الرسل عليهم السلام ، هو كلام نسبي يصدره قائلوه ارتكازا على أوامر الله
و نواهيه و وحيه، في ارتباط وثيق بأتباعهم و أطر أزمنتهم و أمكنتهم التي يحيون ضمنها . إن كلام البشر مهما كانت مقاماتهم، هو كلام نسبي، محدود الفاعلية ، و يفقد هذا الكلام فاعليته و صلاحيته و تأثيره في الواقع مع مرور الزمان و تغير الأمكنة ... إن هذه الفكرة / الركيزة في كل ما أحبره من مقالات ، تقوض الأسس الفكرية للدويلات "الإسلامية " القائمة لأنها دويلات تتنكر كلها للثوابت القرآنية - التي تكفر كل الجموع / المؤسسات التي لا تحتكم إلى شرع الله و قوانينه المفصلة في القرآن – و تعتمد على مذاهب بشرية ، قد مات أصحابها منذ قرون خلت ، و صارت مذاهبهم تعتمد كأديان بديلة عن دين الله
و شرعه البين .. !?! وهو نفس المنزلق الذي وقع فيه اليهود و المسيحيون من قبلنا حتى استحقوا لعنة الله " اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله و المسيح ابن مريم و ما أمروا إلا ليعبدوا إلاها واحدا لا إلاه إلا هو سبحانه و تعالى عما يشركون ." !?!
هكذا قد كشفت في أطروحاتي عن المفارقة العجيبة التي صار يحياها المسلمون منذ وفاة رسولهم عليه السلام . فقد ألهوا نبيهم و أئمتهم و صارت أقوالهم و أحاديثهم واجتهاداتهم أولى بالإتباع في تحديد معايير الخطأ و الصواب من آيات الله المفصلات و التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها تنزيل من حكيم حميد !?!
لقد اتخذ المسلمون القرآن مهجورا و تشبثوا شكليا بأحاديث الرسول النسبية - صلى الله عليه و سلم - و التي كان منطلقها
و أسها ما يتنزل عليه من وحي معجز للجن و الإنس !?! لقد كان الرسول صلى الله عليه و سلم يجتهد أيما اجتهاد في التشبث بالوحي و الإستجابة لكل أوامر الله و نواهيه ، و لم يسلم عليه السلام من لوم الله و تأنيبه في عدة مواضع من القرآن .. لأن : "كل بني آدم خطاء "على رأي الرسول الكريم ، عليه السلام .
إن الصراط المستقيم الذي خطه الله لعباده المؤمنين / الصالحين لا يتأتى للإنسان السير فيه إلا بإرادة الله و مشيئته و رحمته
و اختياره ، لذلك لا نعجب إذا وجدنا أن الأب و الابن و الأم وابنها
و الأخ و أخيه و الجار و جاره ... الذين يتعايشون في نفس الزمان و المكان قد اختار كل منهم طريقا مختلفا عن الآخر... فنوح عليه السلام قد اختار طريقا تختلف عن الطريق التي سلكها ابنه و زوجه .. و كذلك فعل إبراهيم عليه السلام و أبوه و قومه ... و لوط و قومه و فرعون و زوجه ... !?! فنور الله لا يهدى لعاص لقوانين الله و فطرته و عدالته المطلقة في الحياة ... و لذلك ما كان لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ...
لقد بان عوار "الحركات الإسلامية " المتشبثة بمظاهر الإسلام الشكلية يكشف للعيان، لأن الله عليم بنوايا هؤلاء الذين لا يرتدعون عن ركوب موجة " الديمقراطية "للاستحواذ على السلطة ، مدبرين عن سنن الله و قوانينه الأزلية في مختلف مناحي الحياة ، بدعوى الإجتهاد و مواكبة العصر !?!
تواصل البحث معي بقاعدة العوينة و حرماني من النوم ليلا و أنا جالس على كرسي خشبي و يداي مقيدتان إلى الخلف .. !?!
و في محاولة أخيرة يائسة جلبوا لي العم "مصطفى " شيخ حزب التحرير ، و وضعونا وجها لوجه فيما يخص" سنة الرسول " صلى الله عليه و سلم ... و خلاصة ما واجهت به العم مصطفى قولي له : " لو كان الرسول صلى الله عليه و سلم ، مصدر تشريع في الإسلام لما كان كل الرسل عليهم السلام يشتركون في تذكير أقوامهم بنفس الشريعة التي شرعها الله لعباده المؤمنين منذ نوح عليه السلام ... و تلوت عليه الآية 13 من سورة الشورى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ..." فلما صمت العم مصطفى و عجز عن الرد ، إذا بقائد الفرقة يقوم من مكانه
و يتجه صوب العم مصطفى ، مقبلا جبهته و يقول : " أنت رحمة أمام هذا السيد !?! " فغلبوا .
و وجه لي الضابط الطويل الذي يلبس البزة العسكرية كلامه بتهكم : "هل أنت مستعد للترشح للانتخابات الرئاسية القادمة ؟ مضيفا أنا مستعد لتزكيتك ! فأجبته بتهكم مماثل : ليس هناك ما يمنعني من الترشح في الدستور التونسي !?!
و في نهاية الأسبوع ، عشية يوم السبت 5 أفريل 2008 نقلت مع شباب حزب التحرير إلى وزارة الداخلية أين تواصل بحثي ، و قد اتهمني أحدهم بالجنون ، خاصة بعدما أكدت لهم أن العجز الجنسي و الأمراض المزمنة التي يعاني منها التونسيون هي وليدة خضوع شعبنا للقوانين الوضعية الظالمة التي يسنها متألهون من قومنا ، و قد أعرضوا عن قوانين الله الفطرية في القرآن ، مما جعل الجميع يعيش ظنك العيش ، و قد وعدتهم أن أكون لسلطتهم" بوقا "إن استجابوا لقوانين الله في القرآن ... كما سألوا بعض شباب حزب التحرير : " إن كانوا يعرفونني أم لا ؟ " ثم نقلت إلى مقر الشرطة العدلية بالقورجاني و التي سبق أن بحثت بها فيما يخص تهمة إصدار شيكات بدون رصيد . و من ثم إلى سجن الإيقاف ببوشوشة ، و من ثم إلى سجن المرناقية ، و في 5 ماي 2008 حوكمت بثلاثة أشهر سجن من قبل السيد فوزي الجبالي ، دون أن أقوم بمطلب الاستئناف فنقلت إلى سجن صواف بزغوان أين أمضيت المدة المتبقية لي بعدما أنقصوا 2 أسبوعي البحث احتراما "لدولة القانون و المؤسسات" !?!
إني قادم إليك يا محمد ... لقد جعلت حياتي جحيما لا يطاق .. إني أكاد أهلك ... سأبحث عنك في كل مكان .. إلى أن أجدك .. كانت بي رغبة جامحة لملاقاة محمد !؟ و سألت عنه فقيل لي إنه هناك ... و ذهبت إلى هناك ... و فجأة وجدتني مع محمد وجها لوجه ... كان قد انتحى له ركنا ... بإحدى الحانات الكبيرة ... كانت يداه ترتعشان ... وهو يأخذ الكأس ليفرغها في جوفه .. !؟ لما رأيت محمدا على هذه الحال ... أحسست كأن شيئا ينهار داخلي ... !؟ فصحت بأعلى صوتي : " .... سأقتلك يا محمد... أنت لم تعد تصلح للحياة ... أنت لم تعد تصلح للحياة ...أنت لم تعد تصلح للحياة ... !؟
واستيقظت مذعورا .. و جاءت أمي مهرولة وهي تقول: " مالك يا بني !؟ فقلت لها : " أمي ... أرجوك أن تحضري لي بقجتي غدا صباحا ... لأني سألتحق بصديقي محمد ... بالعاصمة، إن الحياة هنا لم تعد تطاق .. و لن أحتملها بعد اليوم .. !؟

دراسة علمية لفكر عبد الرحمان الكواكبي ؟



طبائع الكواكبي في كتاب
"طبائع الإستبداد و مصارع الإستعباد"



محمد سالم بن عمر

الكاتب
محمد سالم بن عمر
Mohamedsalembenamor21@yahoo.fr
http:islam3mille.blogspot.com
محمد سالم بن عمر، كاتب و ناقد تونسي ، عضو اتحاد الكتاب التونسيين .
أصيل سيدي بوعلي ولاية سوسة، متزوج و له شيماء و نصير الله.و أمة الله
متحصل على شهادة الأستاذية في التنشيط الثقافي منذ 1992، وقد عمل مديرا لدور الثقافة بتونس.
له مساهمات عديدة في النقد و الإبداع و المقال الفكري\ الحضاري...
صدر له كتاب:" اللسان العربي و تحديات التخلف الحضاري في الوطن العربي الإسلامي عام 1995"
كما صدر له كتاب : " نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه عام 2009 "
و قد نشرت له جل الصحف و المجلات الوطنية مقالات فكرية و نقدية
و قصص قصيرة وقصائد .. كما نشرت له بعض المجلات و الصحف العربية .. مقالات فكرية وحضارية..
له مخطوطات عديدة أهمها :
المشي على الجمر و لا خيانة الله (رواية) نحو إعادة تشكيل الفكر العربي الإسلامي في العصر الحديث ﴿مقالات فكرية / حضارية﴾ .

الإهـــــــــــــــــــــــــــداء


إلى التي أحيى من أجلها..
إلى أمتي الإسلامية..
التصدير
"ما ينبغي أن يكون الفيلسوف مخترعا للمذاهب بل رسولا للحقيقة، وما دامت الشرور التي ابتليت بها البشرية قائمة بغير شفاء. وما دام مسموحا للخطأ والتحيز و الجهل و الإستبداد بأن تخلد هذه الشرور. وما دامت الحقيقة مقصورة على القلة وعلى المميزين، محجوبة عن معظم النوع الإنساني فسيظل واجب الفيلسوف المؤمن أن يبشر، بالحقيقة، وأن يحافظ عليها ويشجعها، وينيرها. وحتى إذا كانت الأضواء التي ينشرها لا تفيد في جيله وقومه، فإنها لا شك ستفيد في بلد وجيل آخرين. فالفيلسوف ذلك المواطن في كل مكان وزمان أمامه الدنيا كلها وطنا، والأرض مدرسة، والأجيال القادمة تلاميذ".


المقدمــــة
كان الإستبداد السياسي، وسيبقى داءا معطلا لحركة التقدم في المجتمعات البشرية. وقد اكتوى عبد الرحمان الكواكبي (1854/1902) وكل أمته العربية الإسلامية بمثل هذا النمط السيئ من الحكم، ولا تزال شعوب كثيرة تكتوي بهذا الداء اللعين إلى يوم الناس هذا، بل لعل فشل العرب و المسلمين في تجربة النهضة يعود أساسا إلى أنهم أهملوا القضية الأم في نهضة الشعوب والأمم وهي قضية تحرير الإنسان والرقي به بصفته شخصا ليس عليه واجبات فقط، وإنما له حقوق واعتباره الغاية والمبتغى و منطلق التغيير.
وقد رأينا أن نتوجه بالدراسة إلى فكر عبد الرحمان الكواكبي باعتبار ريادته في هذا المجال وتكريسه لجل فترات حياته مناضلا في سبيل تحرير العرب و المسلمين من إستبداد الأتراك، داعيا في حماس فياض إلى إقرار نظام "شوري ديمقراطي" للقضاء على أسباب الإنحطاط و التخلف الحضاري.
لقد شدنا إلى هذا "العالم المصلح" تركيزه الشديد في جل ما كتب على نقد الإستبداد وتبيان مساوئه على حياة الفرد والمجتمع، بل لعله الوحيد من بين رواد النهضة العربية الذي قضى جل حياته النضالية في سبيل مقاومة ظاهرة الإستبداد والتحذير من مخاطره. ولعل جل الدراسات التي تناولت فكر الكواكبي جاءت في شكل سرد تقريري لمجمل آرائه السياسية والاقتصادية والتربوية… مفتقدة في الغالب إلى التحليل المعمق، وتعقب المرامي التي هدف إليها الكواكـبي..!؟
فالفكرة المترسمة لدى جل الدارسين تقدمه في صورة المصلح الذي نقد الإستبداد التركي ونادى بخلافة عربية تحل محل الخلافة العثمانية اعتمادا على كتابين تركهما المؤلف وهما "أم القرى" و"طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد" فلم تصل إلى اعتباره ظاهرة فكرية متميزة وأغفلت الكثير من مظاهر الإبداع والطرافة وبعد النظر التي تميز بها الكواكبي... ولا ينازع احد في قيمة هذين الكتابين الذين ضمنهما الكواكبي لمجملي آرائه النقدية والإصلاحية.
وأزعم أن كتاب "الطبائع" يعد حجر الزاوية في معرفة أفكار الكواكبي التي استقر عليها رأيه بعد حياة مليئة بالنشاط والحركية في الميدان الصحفي..‘ داعيا إلى مقاومة كل مظاهر التخلف والإنحطاط الحضاري التي انتكس فيها المجتمع العربي الإسلامي آنذاك.
كما أن هذا الكتاب قد اشتمل على بعض أفكار رواد النهضة العربية أمثال الطهطاوي(1801/1873) وخير الدين التونسي (1810/1890) والأفغاني (1837/1897) وعبده (1849/1905) ورشيد رضا(1865/1935)‘بل إنه يصعب على أيّ باحث جاد عدم الوقوف عنده للتزود بما يساعده على معرفة فكر النهضة والوعي العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
غير أن قلة الدراسات الجادة التي محصت آثار الكواكبي بدأت تنحصر في السنوات الأخيرة ولاسيما بعدما أصدر محمد عمارة "الأعمال الكاملة لعبد الرحمان الكواكبي" مرفوقة بتحليل عن مجمل ما خطته يد هذا "الزعيم المصلح" في الحقل السياسي والاجتماعي والتربوي وبعض مواقفه النظرية عامة.
وهذه الدراسات على علميتها وأهميتها طغى عليها الطابع الانتقائي وغياب الروح النقدية الصارمة..! فجاء جلها يكيل المديح للكواكبي ولم تر فيه إلاّ الجوانب الإيجابية من تفكيره.
لقد بحث الكواكبي في كتابه الأول "أم القرى" في أسباب الخلل والضعف في وضع المسلمين وسبل إحيائهم، وضمن كتابه الثاني "طبائع الإستبداد" حملته القوية على الحكم المطلق. والكتابان متكاملان في أنهما يشخصان أدواء المجتمع العربي الإسلامي ويتلمسان السبيل للنهضة.
كما ترك الكواكبي مجموع أشعار، فقد قال ابنه محمد أسعد الكواكبي: إن أباه "كان يسجل ما يروقه من الشعر ويصنفه على عشرين صنفا واضعا في نهاية كل بيت شعر رقما خاصا يدل على غزل أو نسيب أو مدح أو هجاء أو رثاء الخ.."
وقال :"ولا أزال أحتفظ بكناش فيه مجموع أشعار تنوف على الثلاثة آلاف بيت مصنفة على الطراز المذكور، ومحررة بخطه المشهور الذي لا يقلد، إلاّ أنه في حياته لم يكن مكترثا لقول الشعر الذاتي حيث لم أعثر له على شيء من ذلك سوى بعض أبيات حماسية قالها عفوا حين تحريره "أم القرى" في حلب وقصيدة حررها وأرسلها من مصر إلى أخيه السيد مسعود وهي بائية صورتها محفوظة عندي .
وقد ترك الكواكبي بالإضافة إلى هذه المؤلفات كتاب :"صحائف قريش" وكتاب "العظمة لله" وقد صودرت هذه الكتب من قبل السلطات العثمانية آنذاك بعد وفاة الكواكبي مسموما بالقاهرة ولم يعثر لها على أثر حتى الآن.
ولقد تميز الكواكبي في كل ما خلف من كتب ومقالات بالتزامه الواضح بمعاداة الإستبداد على اختلاف ألوانه و تشكلاته والتشوف إلى الحرية و الإنعتاق .. مرتكزا على تأصله ورسوخه في التراث العربي الإسلامي واطلاعه الواسع على جل المدارس الفكرية الغربية وخاصة تلك التي هيأت للثورة الفرنسية عام 1789.
يستفاد من الإشارات الواردة في مؤلفات الكواكبي أنه كان مطلعا إطلاعا واسعا على التاريخ الإسلامي قديمه وحديثه متأثرا خاصة بالعلامة ابن خلدون في بعض أفكاره، وهو كثير الإستشهاد بالقرآن والأحاديث النبوية وآراء أيمة المذاهب الفقهية، بالإضافة إلى بعض معاصريه أمثال الطهطاوي وخير الدين ومراش الحلبي ومن يقرأ بعض مواقفه يلمس استفادة مؤلفنا من الترجمات الصادرة بمصر في عهد محمد علي. كما أن تأثير فلاسفة الأنوار ولاسيما "روسو" و"منتسكيو" لا يحتاج إلاّ لمجرد الإطلاع على كتابه "طبائع الإستبداد" فلقد أكثر الكواكبي من استعمال مصطلحات فلسفة القرن الثامن عشر التنويرية كمفهوم "الحق الطبيعي" و"الحرية" و"الديمقراطية" و"الإشتراكية" وغيرها وهو ما يعكس صلته الوثيقة بالفكر الغربي التنويري وعميق تأثره بالثورة الفرنسية على الرغم من أنه لم يكن يتقن لغة أجنبية ما عدى إتقانه للغة التركية واللغة العربية. ويظهر تأثره واضحا بما ورد في كتاب الأديب الإيطالي "فكتور الفياري" (1749/1803)الموسوم بعنوان "الإستبداد" : " " Dela tyrannie والذي يظهر أن الكواكبي قد اطلع عليه خلال ترجمته إلى اللغة التركية من قبل شاب تركي عام 1867. وقد استمد منه الكواكبي بعض أفكاره في نقد الإستبداد واستخرج منه إطار كتابه "طبائع الإستبداد ". كما يغلب على الظن أن كتاب "بلنط":"مستقبل الإسلام" كان له تأثير على ميولات الكواكبي القومية …!
إن القراءة التي أردنا القيام بها لفكر الكواكبي تهدف أساسا للإجابة عن سؤالين هامين هما جوهر إشكالية هذا البحث:
1. هل نجح الكواكبي - كنموذج لزعماء الإصلاح – من خلال أفكاره وآرائه النقدية والإصلاحية في صنع "نسق سياسي- فكري حضاري" صالح لتغيير المجتمع الإسلامي في العصر الحديث و النهوض به وتجديد مختلف هياكله..؟
2. وعلى افتراض استكمال الكواكبي شروط بناء هذا النسق الفكري/الحضاري، فما هو حظ هذا النسق الفكري"البديل" من النجاعة الحضارية و إحداث النهضة؟ و ما قيمته الذاتية باعتبار أن للكواكبي فكرا نقديا إصلاحيا للواقع العثماني المتدهور في عصره وتصورا لمجتمع إسلامي في الوقت نفسه؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تسهل علينا كشف النقاب عن الدور الذي اضطلع به مؤلفنا بوصفه من النخبة المفكرة في العصر الحديث التي مارست الزعامة الفكرية وادعت لنفسها القدرة العقلية والفكرية التامة على حسم المشكل الفكري والحضاري المتمثل في طريقة التوفيق بين مقومات الثقافة العربية الإسلامية القديمة.. وركائز الثقافة التنويرية الأوروبية الغازية ..‘ التي فرضت على المسلمين منذ أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وهذا العمل سيسمح لنا بإدراك ما إذا توصل الكواكبي إلى حسم هذا المشكل بفضل ابتكاره لنسق سياسي فكري إصلاحي أم لا؟
ولقد حاولنا في دراستنا أن نقيم حوارا مباشرا بين الأثر والدارس بغية وصف وفهم المحتوى الظاهري والمتخفي، الصريح والكامن للمادة المكتوبة محاولين في ذلك إرجاع الأثر المكتوب إلى الخلفية الفكرية أو الثقافية أو السياسية التي ينبع منها هذا الأثر. وقد عمدنا قدر الطاقة إلى جمع المادة التي تخص موضوع بحثنا من كتابي "أم القرى" و"طبائع الإستبداد" وبوبناها ثم قمنا بتحليلها بصورة حرصنا أن تكون متكاملة.









الباب الأول
تمهيد تاريخي:
1- النهضة العربية والوعي السياسي- الحضاري:
يظهر أن حملة بونابرت على مصر عام 1798م مثلت نقطة البداية لمحاولة النهوض في البلاد العربية الإسلامية، فقد مثلت الحملة شجة قوية في الوعي السكوني العربي، وبالتالي لم تأت اليقظة العربية إستجابة لحاجات أو تفاعلات داخلية وإنما كانت استجابة "للتحدي الذي فرضه الغرب على كل مستويات الإجتماعي، السياسي الإقتصادي والنفسي"
ولقد جاءت صيحة الشيخ حسن العطار تعبيرا صادقا عن ذلك، فقد قال بعدما اقترب من علماء الحملة الفرنسية وأبصر ما لديهم من علوم:"إن بلادنا لا بد أن تتغير ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها" . ومنذ ذلك الحين بدأ العرب يتحسسون مكمن الداء ويشعرون بالهوة الحضارية التي أضحت تفصل بين ديار الإسلام والغرب.. فنشأ التفكير في هذا الإقليم أو ذاك بضرورة إصلاح ما فسد.. وترتيب ما تبعثر.. وبحث ما اندثر حتى تستعيد ديار الإسلام قوتها ونهضتها و استقلالها، وغدا البحث متركزًا في إشكالية التغيير الواجب إدخاله على نمط الحياة السياسية والفكرية والإجتماعية.
إن هذه المفارقة كانت قد تأسست على منهج مقارن يستحضر ثلاث أقطاب رئيسية وهي: "آن الأنا" الذي أصبح يعيش في ظلمات الجهل والإنحطاط.! ومقارنته "بماضي الأنا" المجيد..!؟ ثم "آن الأنا "و"آن الآخر" المتمثل أساسا في الغرب المتقدم.
ولقد تجسدت فكرة الإصلاح في جيل أول، كان أبرز من مثله رفاعة رافع بدوي الطهطاوي (1801-1873) وخير الدين التونسي (1810-1890).
كانت لرحلة زعماء هذا الجيل إلى الغرب واطلاعه المباشر على ثقافته وحضارته دور كبير في تحديد الحلول التي تقدم بها هذا الجيل للخروج من وهدة الإنحطاط و التخلف الحضاري.
أ- نقد حكم الإطلاق لدى رواد "النهضة العربية":
ولقد انصب اهتمام هذا الجيل على نقل واقتباس ما تفتقت عنه الذهنية الأوروبية في أصول الحكم والسياسية والعلوم والتقنيات الحديثة، فترجموا بعض الدساتير الغربية وخاصة دستور الثورة الفرنسية وما تنص عليه من حرية ومساواة مثلما فعل الطهطاوي في "تخليص الإبريز" وخير الدين التونسي في "أقوام المسالك" انطلاقا من إيمان هذا الجيل بضرورة إجراء تنظيمات سياسية واجتماعية تناسب التنظيمات التي نهض على أساسها الغرب، وأولى هذه التنظيمات القضاء على حكم الإطلاق وتغييره بنظام دستوري. ونشر العلم والحرية، ووجد هذا الجيل نفسه مجبرا على إعادة تأويل التراث الإسلامي بما يتيح إفساح المجال أمام دخول هذه التجديدات الحضارية المادية والعقلية.
إن هذا الجيل كان قد نقد الإستبداد السياسي بسبب طغيان "الجانب القمعي والإستبدادي في سياسة عبد الحميد" ولكن وحدة الخلافة ووقوفها في وجه الإستعمار الغربي شكل هاجسا أكثر أهمية في برامجهم، كما أن فكرة "حاكم غشوم خير من فتنة تدوم" كانت لا تزال تسيطر على الأذهان.! وهذا ما جعلهم لا يحملون حملة قوية على الإستبداد العثماني ما دامت جل الولايات العربية لا تزال بمنأى عن الإستعمار الغربي..بالإضافة إلى أن فكرة "الجامعة الإسلامية" و"الوحدة الإسلامية" كان لها تأثيرها القوي في الأذهان..! فالخلافة "تجسد السلطة الزمانية كلها وهي مصدر الشرعية في المجتمع والدولة".
ب- النهضة وبروز التيار السلفي:
تتراجع الرابطة الإسلامية كشكل من أشكال ضمانات البناء السياسي القائم وتحصينه، أمام ضربات الإستعمار الغربي الموجعة وتقطيعه لأجزاء عديدة من الخلافة العثمانية وسقوط البلاد العربية الواحدة تلو الأخرى في براثن الإستعمار الغربي المباشر بدءا بالجزائر عام 1830 وتونس عام 1881 ومصر1882.. بالإضافة إلى اشتداد السياسة الإستبدادية التي سلكها السلاطين العثمانيون المتأخرون، كل هذه العوامل بدأت توقظ شعور العرب التدريجي بكيانهم الذاتي. وتبدأ الدعوات القومية في السفور بعد أن ظلت لمدة طويلة مختفية تحت لبوس العالمية الإسلامية أحيانا أو العروبة الخجلة أطوارا أخرى.إن معالجة البناء السياسي داخل فكر النهضة إن بدت في أول الأمر متجانسة فإنها ومع دخول أوروبا الإستعمارية وبداية تدميرها للخلافة العثمانية وتقطيعها للولايات العربية.. هذه المعالجة سترى العديد من التوجهات والرؤى تبشر بنهضة المجتمع و"عصر تنوير" يقتبس الضوء من الغرب تمد الجسور مع منبع "التقدم والعقل والحرية". ويبدو أن تيارا فكريا بدأ يظهر على السطح حينئذ كان قد بثه جمال الدين الأفغاني (1839-1879) وجمع من تلاميذه في الشرق الإسلامي في العصر الحديث وقد مثل حركة إسلامية هامة.ولعلّ أبرز من مثل هذا التيار محمد عبده (1849-1905) والكواكبي 1854-1902) موضوع دراستنا، ورشيد رضا اللبناني الأصل (1865-1935).. كانت هذه الحركة سلفية لأنها قامت على إعادة تأكيد حقائق الإسلام الجوهرية، وكانت إصلاحية لأنها استهدفت إحياء ما كانت تعتبره العناصر المهملة في التراث الإسلامي، غير أن عملية هذا الإحياء قد تمت – وهذا مهم جدا– تحت تأثير الفكر الليبرالي الأوروبي..! فأدت تدريجيا إلى تأويل جديد للإسلام والمفاهيم الإسلامية بغية جعلها معادلة للمبادئ الموجهة للفكر الأوروبي في ذلك الحين.!




الباب الثاني
I -النزعة النقدية لدى الكواكبي:
1-الكواكبي ونقد الإستبداد:
أ- مفهوم الإستبداد:
يستعمل الكواكبي مصطلح " الإستبداد " مرادفا لعبارة الحكم المطلق الجائر، مقابلا إياه ب"الحكم العادل" و"الحكومة الحرة المنتظمة"، مع العلم أن الإستبداد لا يطابق في اللغة معنى الظلم، فالإستبداد في اللغة هو " الإبتعاد والإنفراد" وهو هنا الإنفراد بالرأي والحكم.
يدلل الكواكبي عن مرجعيته الإسلامية في تعريف الإستبداد ، فهو حين يقرر أن المستبد يحيد عن الفطرة التي خلق عليها "فيرى نفسه كان إنسانا فصار إلاها". لا شك انه كان يستحضر قصة فرعون الواردة في القرآن والتي ادعى فيها الربوبية قائلا لبني إسرائيل : ﴿ ما علمت لكم من إله غيري﴾.
إن فكرة ادعاء الألوهية من قبل المستبد كفيلة _ حسب الكواكبي _ بأن ترشحه إلى الظلم والجبروت وإتباع هوى النفس في إدارة شؤون المجتمع حتى يغدو هواه قانون المجتمع وشريعته، ويهيمن على جميع السلطات في إدارة الحكم، وبالمقابل تعيش الأمة الواقعة تحت الإستبداد مستعبدة ذليلة ليس لها في شؤونها حل ولا عقد، وإنما هي خاضعة لحاكم مطلق، إرادته قانون، ومشيئته نظام يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.!
كما يلفت انتباهنا في هذا التعريف لمفهوم الإستبداد طغيان بعض المصطلحات الواردة في كتاب "الفياري" الذي كنا قد أشرنا إليه سابقا.. فقد عرّف هذا الكاتب الطغاة قائلا:"كل الذين توسلوا بالقوة أو الحيلة..إلى القبض التام على أطراف الحكم ويعتقدون أنهم فوق القانون، أو هم كذلك.."
لا يتكلم الكواكبي عن أمور خيالية بل ينطلق في وصفه للحكم الإستبدادي المطلق من معاينته الشخصية لحكومة عبد الحميد ذلك الطاغية الجبار، فقد "فرض على رعيته حكما فرديا قاسيا ازدادت حدته يوما بعد يوم واستهدف كافة طوائفها من عرب ويونان وأرمن وغيرهم".
كما يدلل الكواكبي في "طبائع الإستبداد" على تمكنه واستيعابه للفكر السياسي الذي مهد للثورة الفرنسية عام (1789) كنظرية التعاقد الاجتماعي لدى "لوك" وروسو" وأصناف الأنظمة السياسية وخصائصها كما جاء في كتاب "روح الشرائع" "لمنتسكيو"... فهو قد شدد على ضرورة تقيد الحكومة العادلة بالقوانين التي يشترك الشعب في وضعها عن طريق ممثليه، وتبعا لذلك يرى أن " الإستبداد" هو صفة للحكومة التي يرأسها مستبد ولا توجد بينها وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافذ الحكم". فلم يعد هناك مجال لأن يدعي إنسان أنه يحكم باسم الله فلا حاجة له بقوانين يتواطأ عليها البشر، بل أصبح إيجاد قانون يرضى عنه الجميع لتسيير دواليب الدولة أمرا مفروغا منه كي لا تسقط الحكومة في مستنقع الإستبداد الآسن؛ و بناء على ذلك تصبح اشد أنواع الحكومات إستبدادا واستهتارا بحق الفرد و المجموعة هي "حكومة الفرد المطلق ‘الوارث للعرش؛القائد للجيش؛الحائز على سلطة دينية "كما هو شأن الأتراك العثمانيين و على رأسهم السلطان عبد الحميد.
ثم يبحث الكواكبي عن فلسفة يقوم عليها الحكم الإستبدادي الجائر.. فيجد أن هذه الفلسفة ترتكز بالأساس على نظرية احتقارية للإنسان وتقييم سلبي له واتخاذه وسيلة لا غاية في حدّ ذاته. بالإضافة إلى اعتباره قاصرا و عاجزا عن المساهمة في إدارة شؤونه بنفسه..! لقد عبر عن ذلك تعبيرا صريحا توفيق باشا خديوي مصر في حواره مع الأفغاني ؛ فقد قال ما معناه :"إنني أحب كل خير للمصريين؛ و يسرني أن أرى بلادي في أعلى درجات الرقي و الفلاح ؛ و لكن مع الأسف إن أكثر الشعب خامل لا يصلح أن يلقى عليه ما تلقونه من الدروس المهيجة...
إن كل من يقرأ "طبائع الإستبداد" يلفت انتباهه منذ أول وهلة نقمة الكواكبي الشديدة على الإستبداد ومحاربته لجميع مظاهره في أيّ موقف كان، واعتباره مصدر كافة الشرور والأوبئة التي تصيب المجتمعات البشرية، مفسرا لثنائية التقدم /التأخر طبقا لطبيعة المؤسسة السياسية، لأن الجهاز السياسي في اعتباره هو التشخيص المؤسسي لحالة المجتمع وبالتالي فهو التعبيرة الصادقة للواقع وتشكل من تشكلاته، فإذا ما كان المجتمع يشكو من الضعف والإنحطاط و التخلف..‘ فلا شك أن هناك خللا في الجهاز السياسي، وهذا الخلل يتمثل في الإستبداد والإنفراد بالحكم..! لقد تميز أسلوب الكواكبي بالحماس الفياض والصدق والوضوح والدّقة المتناهية رغم صعوبة الظرف الذي كتب فيه مؤلف "الطبائع" وقد قلب موضوعه عن ظهر بطن رغم وعورته، ولا يدانيه في عداء الإستبداد، أحد سوى الكاتب الإيطالي "فكتور الفياري" الذي كان يمجد الحرية باعتبارها أشرف من الحياة واعدا بأن روحه الحرة "لن تجد سلاما أو راحة" حتى يكتب صفحات "قاسية لهدم الطغاة" وقد قال في معرض حديثه عن الإستبداد:"لا، ولن يكون نصيب كلامي أن تبدده الرياح إذا ولد رجال صادقون بعدنا يؤمنون بأن الحرية لا غنى عنها للحياة". وعلى غراره كتب الكواكبي يقول في بداية كتابه "الطبائع" :"كلمات حق وصيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح قد تذهب غدا بالأوتاد".. صحيح أن جلّ المصلحين من جيل الكواكبي كانوا قد انتقدوا الطغيان و الإستبداد ولكنهم لم يكونوا بمثل وضوح الكواكبي في حملته العنيفة ضدّ كل مظهر يشتم منه رائحة الإستبداد ، بالإضافة إلى أنه لم يهادن الإستبداد يوما واحدا كما فعل الأفغاني أو رشيد رضا. فالأفغاني مثلا لا ينكر أن الحاكم المستبد، يستطيع إذا حسنت نواياه، أن يحقق الكثير من الخير بسرعة، لكن خطر الحكم الإستبدادي في رأيه يتوقف على أخلاق الحاكم، يقول الأفغاني في هذا الصدد:"إن كان حاكم الأمة عالما حازما أصيل الرأي... ساس الأمة بسياسة العدل، ورفع فيها منار العلم.. وإن كان حاكمها جاهلا سيء الطبع.. أسقط الأمة بتصرفه إلى مهاوي الخسران" . أما رشيد رضا تلميذ الأفغاني فقد بقي مهادنا لحكم عبد الحميد بل ومدافعا عن سياسته، داعيا أن يكون الإصلاح من قبل "السلطان كخليفة وفق مشورة مجلس علماء" . ولم ينقلب رشيد رضا على سياسة عبد الحميد الظالمة إلاّ بعد خلعه عام 1908 من قبل "جمعية الاتحاد والترقي" _ يقول رشيد رضا :" فهذا عبد الحميد قد خان، وأعوانه قد بغوا في الأرض وتركوا السنة والفرض وعطلوا الشريعة والقوانين واستبدوا لجميع العثمانيين وجمعوا القناطير المقنطرة من المال.. فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب" وقال محمد عبده- لرشيد رضا في عام 1897 مبرزا موقفه من الأتراك:"إن العرب إذا حاولوا الإنفصال عن السلطنة، فمن الممكن أن تتدخل أوروبا وتخضعهم وتخضع الأتراك معهم، فالسلطة العثمانية كانت، مع كل نقائصها الشيء الوحيد الباقي من استقلال الأمة السياسي، فإذا اضمحلت، خسر المسلمون كل شيء وغدوا بلا قوة كاليهود". .. أردنا من عرض هذه الآراء لبعض معاصري الكواكبي أن نثبت حقيقة: وهي أن الكواكبي لم يكن ينقد الإستبداد التركي قصد إصلاح السلاطين العثمانيين وإرجاعهم إلى جادة الصواب، ولم تكن تهمه وحدة الخلافة العثمانية بقدر ما كان يهمه خير العرب ودفعهم نحو التقدم الحضاري وتجنيبهم ويلات الإستعمار الغربي الذي أخذ يبسط كلاكله على البلاد العربية ويمهد لاستغلالها سياسيا واقتصاديا، فهو لا يكل عن تبيان أن الأتراك هم بناة مملكة سياسية على أنقاض سلطة العرب باسم الدين..! فقد سبق لبعض سلاطينهم مثل السلطان سليم الفاتح (1512-1520) قتل آلاف العرب في المشرق بينما كان الأسبان يذبحونهم في المغرب ليخلص الملك إليه وإلى ذريته دونهم..! لقد كان الشغل الشاغل لدعاة الحركة السلفية الحفاظ على وحدة الخلافة حتى تستطيع مواجهة الإستعمار الغربي، ففكرة الوحدة الإسلامية أو "الجامعة الإسلامية" كانت طموح البناء السياسي، ومن بداية اليقظة العربية، أما الكواكبي فقد أدرك منذ البداية طوباوية هذه الفكرة في زمن أصبح فيه الغرب يملك كافة وسائل القوة والسيطرة، كما أدرك أن حالة التشتت التي صارت إليها ديار الإسلام لا يمكن تجاوزها بخطاب حالـم ينظر للعالمـية الإسلامية كما كان يفعل الأفغاني وعبده..! فأراد انطلاقا من هذه القناعة أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، والإنقاذ لا يتأتى إلا بانفصال العرب عن الأتراك، وسحب الشرعية الإسلامية عنهم في امتلاك أمور المسلمين، فالعرب أصبحوا يمثلون القوة "البديلة الوحيدة" القادرة على تعويض القوة العثمانية التي هي في طريق الأفول والإضمحلال. فعن طريقهم يأتي الإحياء ووحدة الدين. ويعتقد الكواكبي أن العرب من طبيعتهم التأقلم مع المدنية الجديدة، والتاريخ يشهد_ حسب رأيه _ على كفاءة العرب إذا ما هم أمسكوا بدواليب الحكم وكونوا لهم خلافة على طراز حكومة النبي العربي وخلفائه الراشدين. إن هذه الفكرة القائلة بأن آل عثمان ليسوا خلفاء شرعيين وأن الخلافة من حق العرب، فيجب أن تعود إليهم كانت تمثل أولى مظاهر الفكرة القومية عند العرب المسلمين. ولعل هذه الرغبة في الإنفصال عن الأتراك كانت تلتقي مع رغبة الإستعمار الغربي في القضاء على الخلافة الإسلامية التي كانت تمثل لهم عقبة أمام ابتلاع كافة البلاد العربية. وهو ما تم لهم فعلا ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين.
ب) أسباب الإستبداد:
-1الخوف:
سبق وبينا كيف أن الكواكبي يرى في الإستبداد انحرافًا بالطبيعة البشرية و الفطرة الإنسانية عن مسارها الصحيح، لأن فيه ادعاء للربوبية من قبل الإنسان واستعلاء في الأرض بغير حق، يقابله خضوع الرعية واستسلامها للظلم والتعسف الواقع عليها من قبل المستبد، فهو يعني في نهاية المطاف سلب الذات لدى العبد/ الرعية، وسلب الغير لدى المستبد، فما سبب كل ذلك؟ يجيب الكواكبي: إنه الخوف فهو السبب المباشر والركيزة التي يعتمدها الإستبداد في أي مجتمع من المجتمعات البشرية التي ترتكس تبعا لذلك في مستنقع التخلف الحضاري والإنحطاط المدني. لعل الكواكبي قد استلهم كتابات بعض المتنورين الغربيين في هذا المجال أيضا: فقد سبق "لمنتسكيو" (1748-1803) وهو بصدد استعراض أنواع الحكومات أن قال : إن الفضيلة روح الديمقراطية والأنفة روح الملكية والخوف روح الإستبداد. أما "الفياري" فكان أكثر وضوحا حين قال بعد تحليل معمق لظاهرة الإستبداد:"...من هنا، يتبين لنا أن الخوف حقيقة هو ، الركيزة، والسبب والوسيلة لكل أنواع الإستبداد..: « De la, il prouve que la peur est véritablement, la base, la cause et le moyen de toute tyrannie ».."
إن الخوف في حقيقته مظهر من مظاهر غريزة حب البقاء لدى الإنسان، فكلما تعرض هذا الأخير إلى خطر من شأنه أن يهدد حياته أو يعرضها لسوء أو مضرة إلاّ وغشيه الخوف وانتابته وساوس الرهبة، فالخوف في أصله شيء فطري، إلاّ أنه يتحول في ظل الإستبداد السياسي إلى عقدة ومرض لا ينجو منه إلا القليلون.. لقد عبر الكواكبي بذلك عن الجو الإرهابي الذي كان يحياه المسلمون تحت سلطة آل عثمان، بل لعله كان يصف في حقيقة الأمر تجربته الشخصية وهو الذي قضى معظم حياته مطاردا من قبل السلطات العثمانية.
يحرص المستبد وأعوانه على نشر الرعب والخوف بين أفراد الرعية لأنّهم يعلمون يقينا أن الخوف إذا ما استبد بالنفوس يجعل قابليتها للاستسلام مؤكدة، وسيرها في ركب الإستبداد محتمة.
لقد أبدع الكواكبي إبداعا ظاهرا في وصف الإستبداد ونفسية المستبدين ممهدا بذلك للمدارس السيكولوجية الحديثة.. فهو يرى أن الخوف إذا انتشر بين الناس يولد فيهم الغباوة التي "تملأ القلوب رعبا من لاشيء و تفعم الرؤوس تشويشا وسخافة وفساد الرأي وضياع الحزم وفقد الثقة بالنفس وترك الإرادة للغير".
وهكذا تصبح نفسية المستبد نفسية محطمة، فيسهل انقياده وينحط إدراكه، تعوزه الفكرة وينقصه الحزم والإقدام، ويعيش مرتبكا مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، تضيق عليه الدنيا على سعتها، فيصبح كأنما يصعد في السماء، فيتشبث بكل عتيق، ويقلد في كل فكر وعمل، ويفقد المقدرة على التفاعل البناء مع المجتمع الذي يعيش فيه، فيتقوقع على ذاته، ويصبح إنسانا هروبيا من واقعه الحياتي، مستكينا.. فيعجز ضرورة عن مواجهة مشكلات الحياة ومتطلباتها المختلفة، ويتيه في طريق جارفة من الأوهام والسخافات التي تحد من حيويته وتقف في طريق نشاطه كالصخرة الصلدة التي تعطل أهدافه في الحياة، وتختلط عليه السبل وتدلهم الخطوب، فلا يعرف ماذا يريد، أو لماذا يحيى. وإذا عمل فيكون عمله بدون نشاط ولا اتفاق "فيفشل حتما" فيغضب على ما يسميه حظا أو طالعا أو قدرا "ويصبح يسلي نفسه بالسعادة الأخروية" بعدما فشل في نيل حظه من الدنيا ولعل هذا ما ذهب إليه ماركس حين قال " الدين أفيون الشعوب"(أكيد أن ماركس يقصد مفاهيم الدين التي يكرسها رجال السلاطين المستبدين ) وهو ما يدل على أن الكواكبي كان مطلعا على المدرسة الماركسية التي كانت تشن آنذاك حربا ضروسا على كل ما من شأنه أن يصرف الإنسان عن نيل حقه المغتصب من قبل الرأسماليين و المستكبرين في الأرض ولو كان ذلك باسم الدين أو صكوك الغفران الكنسية..! فماذا يحدث لنا أو بماذا نصاب لو فحصنا واقعنا الحضاري/ السياسي اليوم على ضوء هذا التحليل المعمق لنفسية الواقعين تحت هيمنة الإستبداد السياسي !!؟
ثم يضيف كاتبنا عنصرا آخر هاما ورئيسيا قلما ينتبه إليه الدارس للإستبداد والمتمثل في كون المستبد وأعوانه يعانون هم بدورهم من عقدة الخوف التي تبسط نفوذها على كافة أفراد المجتمع..! فتصبح العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكوم علاقة حذر وخشية، علاقة توتر وقلق، لكن تختلف أسباب الخوف لدى الطرفين، إذ تخشى الرعية.. المستبد خوفا من مكره وجبروته وظلمه، أما المستبد فيخشى الرعية لأنه يعلم أنه خائن مغتصب، وأنه لم يحفظ الأمانة التي أوكلت إليه أو اغتصبها غصبا، ولم يقم بين الناس بالعدل والقسطاس المستقيم – مطمح كل النفوس السوية -... بل احتكر السلطة واستولى على خيرات البلاد، وأطلق أيدي أعوانه في النهب والسرقة وترويع الناس وتكميم الأفواه، وإذلال الضعفاء وتعذيبهم وتقتيلهم بغير حساب، وإهلاك الحرث والنسل...! وهكذا يتميز خوف المستبد عن خوف الرعية في أسبابه وجذوره لأن خوفه ينشأ عن علم "من انتقام بحق" أما خوفهم فهو نتيجة الجهل و"توهم التخاذل".
فهل كان الكواكبي يلمح بذلك إلى المجازر الرهيبة التي أقامها السلطان عبد الحميد لأعداء إستبداده؟؟!
لا شك أن للواقع التاريخي دخل كبير في الصور التي قدمها الكواكبي لكنه يبقى مفتقدا للدلالة الملموسة المقنعة، وهو أسلوب عودنا عليه الكواكبي على أية حال.
وهكذا لو بحثنا عن عقيدة لمجتمع الإستبداد لقلنا دون تردد إنه الخوف، فعم ينشأ الخوف؟
2- الجهـل:
لم يتوقف تساؤل الكواكبي عن السبب المباشر للإستبداد فقط، بل أراد أن يغوص أكثر في الموضوع ويعرف سببا مقنعا للخوف الناشئ عنه الإستبداد، لأنه يؤمن أن لكل علة معلولا وأن الكون يخضع لقوانين ونواميس محددة و ثابتة، فلكل العوالم قوانينها المخصوصة" فكما للعالم المادي قوانينه فإن للإنسان و الحيوان قوانينهما أيضا فليس " في الكون شيء غير تابع للنظام حتى فلتات الطبيعة والصدف..: هي مسببات لأسباب نادرة".
يجيب الكواكبي إجابة قاطعة حاسمة شان المعلم في دغمائيته أن الخوف "ناشئ عن الجهل" دون شك، فلولا الجهل لما استبد بالإنسان الخوف وبالتالي لما كان هناك إستبداد مطلقا.
إن الجهل بحقائق الموجودات يجعلها تتضخم في ذهن الإنسان فتبسط سلطانها عليه و تكتسب حجما اكبر بكثير من حجمها الحقيقي..! : لم يعبد الإنسان البدائي الشمس والقمر و النجوم.. وبعض أنواع الحيوانات.. إلا لأنه يجهل تركيبة هذه العوالم والكائنات وحقيقتها، فلو عرفها حق المعرفة فهل كان سيعبدها أو يقدسها أو يقدم لها القرابين؟!
وكذلك الإنسان الذي يعيش في ظل الإستبداد، لو كان متنورا بالعلم والمعرفة، لما خاف المستبد وأعوانه فالخوف الناشئ عن الجهل هو الذي مكن الإستبداد من رقاب الناس وحمى دولة الظالمين من الإنقراض.
لا يشك أحد في كون الكواكبي كان مستحضرا فلسفة الأنوار وهو يقرر هذه الآراء، فلقد حاصر الفرنسيون الذين فعلت المعرفة التنويرية فعلها فيهم وغيرت فكرهم ونظرتهم للكون والإنسان والمجتمع- حاصروا- في 14 جويلية1788 حصن "الباستيل" رمز الطغيان والجبروت، وتسلقوا أسواره العالية وسط دوي المدافع وفي جو حماسي فياض، وقتلوا من كانوا يحرسونه، وبفضل هذه الثورة تحولت فرنسا من عهد الإقطاع والإستبداد واستفراد أقلية بالثروة الوطنية إلى عهد الحرية والمدنية الحديثة، فانتصارات أوروبا إنما تحققت بفضل المعرفة وتطبيقها الصحيح وأن ضعف الدولة الإسلامية سببه راجع إلى الجهل والإستبداد.."رأس كل شرّ" حسب تعبير الكواكبي.
إن نشر العلم والتحرر العقلي و الفكري من شانه أن يقضي على الإنحطاط واحتقار رجال العلم وتسليم أمور الدين إلى الجهلة والمنافقين و المتاجرين بالدين!؟.
لقد أدرك الكواكبي كما أدرك معاصروه من"الرواد المصلحين" كيف أصبح العقل و التحرر الفكري هو جوهر الحضارة الإنسانية وأن عليه يتوقف" تجديد الدين" والسير قدما بالمعرفة الإنسانية لتحقيق النهضة والرقي.
ألم يقل جمال الدين الأفغاني :"إن جهل الشرقيين أدى إلى انحطاطهم بقدر ما أن العلم ساعد الغربيين على السيطرة عليهم، وما كان بقدرة الغرب أن يقوم بالفتوحات التي قام بها بدون معارفه.."
ومن قبله أشاد فرنسيس بن فتح الله مراش (1836-1873) - وهو من مدينة حلب التي ولد بها الكواكبي- بدور العلم في توعية الشعوب ورفضها الظلم والإستبداد، فبفضل طلاب العلم ضاء عالم العقل وتمزقت سجون الظلام وانقلبت ممالك الأباطيل وتشيدت عروش الحقائق والهدى وانحطت العبودية في حضيض العدم وارتفعت الحرية على أوج الوجود...
لقد طبعت المبالغة في تقدير دور العلم و دوره الحاسم في القضاء على الإستبداد والإنحطاط وتحقيق التقدم، فكر تلك الحقبة كله بطابعها. حتى كتب صلاح الدين ألقاسمي قائلا:" إن زعماء الإصلاح اليوم احد رجلين، رجل لا يألو جهدا في الدعوة إلى العلم لاعتقاده أن الأمم لا تستتب لها عوامل النهوض ولا يمكن أن تقوى في معترك الحياة بإزاء الأمم المتقدمة وقوى مدنيتها الحاضرة، إلا إذا عم بين طبقاتها العلم... ورجل لا يفتر عن جذب أفئدة الأمم إلى الميل إلى العلوم الإجتماعية وأخذ النفوس البشرية بأهدابها".
على ضوء فكر النهضة يقرر الكواكبي أن الرعية التي تتخبط في ظلام الجهل هي التي يقع عليها الضغط والإعتساف والإستعمار، فتستعبد وينكل بأفرادها. وتنتهب خيراتها، ويخرب حرثها ونسلها، لأنها وهي تعيش في كلاكل الجهل والعمى تفتقد أية حصانة ضد الإستعباد والإستغلال، فتتحمل الإساءات من المستبد وزبانيته بذلة واستسلام.! لهذا تخيف فكرة تنور الرعية بالعلم.. المستبد وتملأ كيانه فرقا وخشية : " فليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم" "بل يسعى جهده في إضعاف نور العلم ومحاربة رجالاته "لأنه سلطان" أقوى من سلطانه.
وهكذا يصبح كتاب "الطبائع" في قسم كبير منه بمثابة "السيرة الذاتية" لحياة الكواكبي المليئة بالصراع ضد الإستبداد العثماني، بالإضافة إلى كونه صدى لجل المدارس الفكرية التي عاصرته، وقد اضطر فيه الكواكبي _ في غالب الأحيان _ إلى أن يسلك نهج الإطلاق والغموض تحسبا من اضطهاد العثمانيين، فكان يطيل الإستشهاد من التاريخ الأوروبي وهو يقصد تسليط الأضواء على مظالم عاصرها بل وكان من ضحاياها.!
ثم يحدد الكواكبي مفهوم العلم مبرزا دوره في محاصرة الظلم بكلمات بليغة فيقول: العلم قبسة من نور الله، وقد خلق الله النور كشافا مبصرا، ولادا للحرارة والقوة، وجعل العلم مثله وضاحا للخير فاضحا للشر، يولد في النفوس حرارة، وفي الرؤوس شهامة."
إن العلماء بما وهبهم الله من حكمة وسداد في الرأي وسلطة على قلوب الناس وعقولهم، يصبحون أقدر الناس على إرهاب المستبد وتنغيص حياته.. لذلك فهو يكرههم.. ويكيد لهم‘ و يسعى جاهدا لأن يشوه سمعتهم حتى يجد مبررا للرمي بهم في غياهب السجون..! و إن كان لا يعدم وسيلة لنفيهم و التنكيل بهم..! ولقد جاء في الأثر:"إن العلماء ورثة الأنبياء".. فحيازة الفضل والتكرمة في هذا الإرث النبوي، إنما هو منوط بتقفي سيرة الأنبياء في الجهاد الدائب لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، والتأسي بهم في العمل على إشاعة العدل ومطاردة الظلم، والجري على سننهم القويم في تحقيق الكرامة الإنسانية، رفعا للجهل، وتحريرا من العبودية لغير الله، وهذا ما يخيف المستبدين من العلماء ويجعل أفئدتهم هواء ترتجف من صولة العلم، "كأن أجسامهم من بارود والعلم نار".
قد يسمح المستبد بوجود بعض أنواع العلوم التي لا تهدد إستبداده في شيء، بل هناك علوم يسعى المستبد نفسه إلى نشرها وتشجيع أهلها وتقريبهم وحتى مكافأتهم مثل "علوم اللغة والعلوم الدينية المتعلقة بالمعاد"..، فمثل هذه العلوم إذا أولت وحرفت وهو ما يقوم به عادة "العلماء المتعممون"(علماء السوء)، من رجال المستبد، فإنها لا تقرب من الواقع شيئا، وتقدم المفاهيم المغلوطة التي تكرس واقع الإستبداد وتديمه وتصوره على أنه " قضاء من السماء فلا مرد له بغير الصبر والرضا "!؟. أما العلوم التي تساعد على النهضة والتحرر، وتنير العقول، وتجعل الفرد محيطا إحاطة شاملة، بمشكلات واقعه، وتساعده على تفهم قواعد الإصلاح وأسسه، وتعرفه بحقوقه وبكيفية المطالبة بها، وتملأ النفس عزة وشموخا وبعبارة الكواكبي تلك العلوم التي "تمزق غيوم الأوهام التي تمطر المخاوف" فترتعد فرائص المستبد منها ويجند لها كل الوسائل كي لا ترى النور ولا تسمع بها رعيته أبدا إلا بصورة مشوهة أو منقوصة.
فإدارة المستبد "تسعى جهدها في إطفاء نور العلم" وتفريغه من محتواه والتنكيل برجالاته، وإلهاء الناس بتوافه الأمور.
لقد نجحت الإدارة التركية التي يحاربها الكواكبي آنذاك في تحقيق هذا الغرض، وهو ما أقلق الكواكبي وأقض مضجعه، فقد أجمعت جل المصادر التاريخية التي وصفت تلك الحقبة الزمنية التي عاش فيها الكواكبي على أن درجة التخلف والإنحطاط والجهل قد بلغت النهايات القصوى، ولم يعد هناك علماء ومفكرون إلاّ قليلون، وقلّت الرغبة في البحث والتنقيب عن الحقائق، لأن الدولة لا تشجعها، فليس إلاّ ترديد لبعض الكتب الفقهية والنحوية والصرفية ونحوها، وقد زار السائح الفرنسي "ميسيو فولني": « Volney » مصر وبلاد المشرق العربي، وخاصة الشام .. ثم كتب رحلته وضمنها وصفا للحالة الفكرية والعلمية في هذه البلاد فقال:"إن الجهل في هذه البلاد عام.. شامل، مثلها في ذلك مثل سائر البلاد التركية، يشمل الجهل كل طبقاتها، ويتجلى في كل جوانبها الثقافية، من أدب وعلم وفن..."
كما سادت الخرافات، وانتشرت الأوهام وأصبح التصوف ألعابا بهلوانية.. بسبب استعلاء الدراويش وسيطرتهم على حياة الناس، مما أضعف من قوة الجوانب العقلية في عالم الفكر، ذلك لأن الفلسفة التي غرستها الفرق الصوفية في أعماق القلوب والعقل كانت سلبية جبرية تدفع إلى الزهد والإنقطاع، والإنصراف عن العمل والبناء وقوامها الترغيب في الفقر والمسكنة..!!
والحاصل أن السر كل السر في بقاء الإستبداد وتمكنه من النفوس، هو الخوف نتيجة الجهل، وبمجرد انتشار المعرفة الصحيحة بين الأفراد والجماعات.. تتمزق غيوم الخوف وتنقرض دولة الإستبداد بانقراضه.

II – أثر الإستبداد على الفرد والمجتمع:
1-إنحراف الغرائز:
أكد لنا الكواكبي إلى حدّ الآن أن الإستبداد يبسط نفوذه المقيت على النفوس فيملؤها خوفا ورهبة، ويهيمن على العقول فتغشيها الضلالات والجهالات حتى تمسي في ظلمة حالكة مدلهمة..‘وسنحاول فيما يلي ترصد أثر كل ذلك على الفرد و المجتمع.
تتولد عن ظاهرة الإستبداد أمراض عديدة و مدمرة، وهي على كثرتها شديدة الفتك بالفرد و بالمجتمع عميقة الأثر في انحطاطه، والسير به نحو الضعف والتهلهل، مما يجعله في نهاية المطاف مرشحا للوقوع في براثن الإستعمار الخارجي خضوعا لسنن الكون و الإنسان والحياة.
فعندما تنتشر العلاقات الإستبدادية الظالمة في المجتمع وتمنع الذات من تفجير فعاليتها الإجتماعية وصناعة الواقع التاريخي، فإنها تنفجر غرائزها وتتفتح الشهوة بدون أن تعرف حدودا أو إمكانية للإشباع أو الإرتواء، فالإنسان الذي يعيش وسط جحيم الخوف و الإرهاب والجهل وانتشار العلاقات الإنتهازية الظالمة ينكفئ على ذاته، ويضيع حزمه ويفقد مقدرته وثقته بنفسه، فتتقلص تبعا لذلك اهتماماته العلمية والروحية، وتتعطل طاقاته الإبداعية، وتقتل حوافزه وطموحاته، وتطغى على نفسه اللامبالاة، ومن ثم يتسع اغترابه _ كل يوم _ عن ذاته و مجتمعه .. وهذا ما يجعل أسير الإستبداد يعيش "خاملا خامدا ضائع القصد، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته، ويدرج أيامه وأعوامه كأنه حريص على بلوغ أجله ليستتر تحت التراب".
إن تقلص اهتمامات الإنسان وفعاليته الإجتماعية يقابلها اهتمام متزايد بشهوات البطن والجنس، وبذلك يصبح المأكل والمشرب والزينة المبالغة فيها والجنس المحموم وتزجية الوقت في اللهو والعبث.. شغل الإنسان الشاغل. وتتولد لديه رغبة شهوانية جامحة لا تعرف الشبع أو الإرتواء .. بل إن الحياة الجنسية ذاتها تصبح "تعاش كأحد مجالات التسلط وساحة من ساحات القهر و الإستبداد.. فيحاول الرجل أن يؤكد فحولته بكثرة اتصالاته الجنسية وتكرار الجماع في اليوم الواحد" وكأن ليس له وظيفة في الحياة سوى " مشاركة الوحوش الضارية في جعلها بطونها مقابر للحيوانات ومزابل للنباتات، واستفراغ الشهوة حتى لكأن جسمه خلق دملا على أديم الأرض وظيفته توليد الصديد ودفعه".
وهكذا تغيب الفكرة، ويعلو الصنم، صنم البطن والجنس وعبادة الذات..!. إنه تصوير رائع وجميل، لأنه يكشف لنا سبب العطالة التي يعيشها أبناء الدول المتخلفة اليوم/ دول العالم الثالث وكل دول العالم الإسلامي .!! ويبرز لنا سببا هاما من أسباب عدم قدرة هذه الدول على تحقيق اكتفائها الذاتي حتى في الحاجات الضرورية كالمواد الغذائية وهو ما ينطبق على المجتمع العربي الذي لا يزال يعتمد على الغرب من الإبرة إلى الصاروخ...‘ فيذهب محمد الغزالي إلى القول بأننا لو قلنا لكل شيء ارجع مكانك لبقينا حفاة عراة...!؟ إن العرب لا يزالون يستهلكون أكثر مما ينتجون رغم امتلاكهم لأحسن الأراضي الفلاحية في العالم..! بالإضافة إلى مواردهم المتنوعة الهائلة كالنفط و الغاز والحديد والمناجم الكثيرة التي تنتج مختلف المواد الأولية وطاقاتهم البشرية المتعددة... ولا خير في مجتمع يموت من الفقر أفراده ويعتمد في بقائه على ما يأتيه من وراء البحار..!!؟
إن غياب الفكرة عن أمة ما، يسهل استبلاهها، وتوجيه اهتمامات أفرادها إلى توافه الأمور: كمواكبة أحدث أنواع التقليعات في المأكل والملبس والزينة وتسقط أخبار الفنانين ولاعبي كرة القدم..!، لأن انغلاق السبل أمام إفراغ طاقات الإنسان فيما يفيد، تجعله يفرغ هذه الطاقات فيما لا يفيد، ولهذا السبب تكثر بين أفراد المجتمعات المتعطلة والمتخلفة الأحقاد التي يحملون، والمكائد التي يضمرون والقيل والقال، التي يتقنون.. و الأمراض المزمنة التي يعانون.. فأينما تولى وجهك، تجد حقدا دفينا توشك أن تتقد ناره، ومكائد تحاك ضد هذا وذاك..وإذا نشط أحد ليعبر عن ذاته ويبدع في ميدانه.. لاحقته الإشاعات وهدته الإنتقادات، وفي مثل هذا المجتمع يسهل تمرير سياسة الإستبداد والفقر والظلم و حكم الطواغيت المتألهين.!!؟ فإذا ما أراد المستبد خوض حرب اقتضاها عناده واستكباره ومصالحه وغروره يغرر بالأمة تحت اسم منفعتها، ويوهمها انه يريد نصرة الدين وصيانة شوكة الشعب وقوته..! ويسرف بالملايين في ملذاته وملذات صنائعه باسم حفظ شرف الأمة وأبهة حاكمها. فالحاكم المستبد تسره غفلة الشعب لأنه يتمكن بغفلتهم من الصولة عليهم و استغلالهم والتنكيل بأعداء إستبداده وظلمه..!
2-الإستبداد الإجتماعي:
إن غياب الفكرة عن الإنسان وخضوعه لهيمنة رغبات البطن والجنس والعادات الفاسدة تخلق منه إنسانا شريرا، يجنح إلى الجريمة والنهب وينتهج كافة السبل ويستعمل كل الوسائل الممكنة لإشباع حاجياته العضوية ورغبته الجنسية الضاغطة عليه والتي لا تعرف الشبع أو الإرتواء أبدا. وتنقلب مفاهيم العدالة في ذهنه رأسا على عقب، فالمجتمع الذي يحكمه الإستبداد السياسي ينتهي به الأمر إلى تطبع غالبية العلاقات التي تتم داخله بطابع التسلط والقهر وإن الإنسان المقهور الذي يشعر بالعجز إزاء قاهره لا يمكن له أن يحس إلا بتبخيس الذات وتحقيرها، ولن يسترجع بعضا من توازنه النفسي إلا بالثأر لذاته المهانة بالإستعلاء على طرف آخر اضعف منه لأن الإنسان المقهور ينتهي باستبطان صورة قاهره وهو ما يجعل "الحكومة المستبدة مستبدة في كل فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفراش إلى كناس الشوارع".!؟
يسعى الإستبداد السياسي إلى تقسيم الأمة شيعا.. متبعا ديدن الطغاة والمستكبرين على مرّ التاريخ وهو سياسة "فرق تسد".
كما يعمد المستبد إلى تقسيم ثروات البلاد بطريقة جائرة، لينقسم المجتمع بدوره إلى "طبقتين" متناقضتين في مصالحهما، متحاربتين، طبقة تعاني ويلات الفقر والحرمان، تنتج ولا تستثمر وهي عادة تتكون من أولئك الكادحين في ميادين الصناعة والزراعة، فهذه الطبقة هي التي يسلط عليها ظلم الإستبداد واستغلاله .. وهي رغم قيامها بالعمل الشاق والمنتج في المجتمع إلا أنها لا تتمتع بثمار سواعدها.
وتقابل هذه الطبقة المكدودة المستغلة طبقة المستكرشين و المستكبرين وهي تمثل "القسم المضر" حسب تعبير الكواكبي.. وتظم هذه الطبقة رجال السياسة والأديان ونساء المدن... وهؤلاء هم المستمتعون الحقيقيون بثروات الأمة وخيراتها، وينفردون بحظ عظيم من مال الدولة و عطاياها.. رغم أن عددهم لا يتجاوز الواحد في المائة (1%). أنه لعجب كبير أن يستوعب الكواكبي بهذا الشكل المعمق النظرية الماركسية رغم ثقافته التقليدية وعدم تمكنه من لغة أجنبية تتيح له إطلاعا مباشرا على ما كتب حول هذا الموضوع.. بالإضافة إلى انتمائه الطبقي إلى عائلة الأشراف، الذي كان من المفترض أن يحجب عنه مثل هذه الحقائق حتى لو اطلع فعلا على المؤلفات الماركسية مترجمة ومعلقا عليها. لقد لفت ماركس انتباه الناس إلى كون العامل رغم قيامه بالعمل والإنتاج إلا أنه لا يتمتع بنتاج سواعده، حيث أصبحت الطبقة البرجوازية الرأسمالية (يعبر الكواكبي عن ذلك بلفظ الإستبداد المالي) هي المالكة بل المغتصبة لما ينبغي أن يكون ملكا للعمال من مصادر الإنتاج. ثم لا يتردد الكواكبي في الكشف عن سيرة آل عثمان مع بعض الوصوليين من أتباعهم، فقد أطلق السلطان العثماني ويقصد عبد الحميد أيدي هؤلاء الإنتهازيين المتقربين من بابه في تحصيل الثروة بالسرقة من بيت المال "وبالتعدي على الحقوق العامة وبغصب ما في أيدي الضعفاء" كما سهل لهم "الإتجار بالدين" والتعامل بالرّبا وبناء الملاهي والحانات، واستغلال أفراد الأمة... كما خصص المال الكثير لترف المستبد نفسه وسرفه. وتغدق الدولة المال والجاه على صنائعها من الجواسيس والمتمجدين وكل الذين يستخدمون في تحصيل شهواتها، ومن يعينها على طغيانها من المتملقين و"رجال الدين" أمثال أبي الهدى الصيادي عدو الكواكبي اللدود..! ويعيش سائر أفراد الشعب في بؤس وشقاء و فقر مدقع.!!؟
إن هذه التفرقة بين أفراد المجتمع والقسمة الضيزى لثروة الأمة بين مختلف فئاته تولد في النفوس الإحن والعداوات فيكثر المكر والكيد بين الناس ويسود جو من الصراع والتقاتل – وهو ما يسعى المستبدون دوما لتكريسه لتفريق الأمة إلى فرق و شيع متناحرة- ، وما كان ليحدث هذا التطاحن والصراع إلا بسبب من اجتماع الثروة لهذه القلة المستغلة المسرفة والتي قسمت الناس إلى عبيد وسادة. فهذه القلة المالكة المتحكمة التي تسمي نفسها "الأصلاء" تعتبر "جرثومة البلاء" في مجتمع الإستبداد لأنها رباط من ربائط القهر والطغيان، وهي تمثل عونا للمستبد على البقاء والإستمرار والهيمنة و الإجرام.
فالإستبداد الإجتماعي محمي بقلاع الإستبداد السياسي، لأن انقسام المجتمع على نفسه وتشرذمه وانتشار الأحقاد بين أفراده هو ما يسعى الظالمون إلى تكريسه وحمايته وتوفير كافة الأسباب لتواصله واستمراره واتساع أفقه، لأن ذلك هو الضامن الوحيد لبقاء المستبد و أعوانه في سدة الحكم وخنوع الرعية للظلم والإستغلال و الإستغفال.
وهذا الواقع المرير الذي يعيش في ظله الناس ويتنسمون روائحه الكريهة،يولد في النفوس:الإحن والقلق والنقمة على كل شيء ويساعد على التظالم بين الوالد وولده والجار وجاره، والمرأة وزوجها حتى يعم البغي الإجتماعي والتظالم كافة أفراد المجتمع.
إن الحكومة المستبدة تقتل في النفوس العزة الحقيقية بالمفاخرة بالأعمال النافعة، وتخلق نوعا من السيادة الكاذبة و كثرة المتملقين، لأن هذه النفوس لم يعد يهمها المجد الحقيقي باستجلاب محبة الناس، وإنما يهمها التمجد والقربى من ذوي السلطان.. وفي مثل هذا المجتمع تفتقد علاقة المحبة والمودة بين الناس و تكثر ضغائنهم، وتنحرف ميولاتهم الطبيعية، حتى يغدو الواحد لا يحب قومه لأنهم عون الإستبداد عليه، ولا يحب وطنه لأنه يشقى فيه ويود لو هاجر منه.. إذ على رأي فولتير:" في ظل ملك صالح يكون للإنسان وطن. ولكنه في ظل ملك شرير لا وطن له" كما تضعف محبة الإنسان لأسرته لأنه ليس سعيدا فيها. ولا يركن إلى صديقه لأنه قد يأتي يوم يكون عونا للظلم والباطل ومصدر شر له. و لا تحب المرأة زوجها لأنه متطبع بالإستبداد و الإجرام مثله مثل رئيسه المستبد إلاهه المعبود ..؟!!
وهكذا يصل المجتمع إلى حالة من التنافر والإضطراب، فتمرض العقول ويختل الشعور، ويفتقد الناس إلى معايير التمييز بين الخير والشر في كل ما ليس من ضروريات حياتهم الحيوانية والبيولوجية. ويصبح باسهم بينهم شديد ، ويعيشون بالتغالب والتحايل لا بالتعاون و التبادل ويسقطون بالتالي في مستنقع التخلف والإنحطاط.
3- الفوضى وانحطاط الأخلاق:
تنقسم الخصال حسب الكواكبي إلى "الحسنة الطبيعية، والشرعية و الإعتيادية" لكن كل هذه الأقسام تشتبك وتشترك ويؤثر بعضها في بعض ويكون مجموعها تحت تأثير الألفة.
ومادامت العلاقات التي تحكم المجتمع فاسدة فلا يمكن للإنسان الذي يعيش في ظلها إلا أن يتطبع بأخلاق رديئة انبثقت مباشرة عن علاقات الظلم والقهر والفساد التي يرزح تحتها المجتمع ويعيش تحت كلاكلها ومن ثم تصبح خُلة فيه.
لا تكون الأخلاق أخلاقا ما لم تكن مبنية على قانون ونظام، والمستبد يقلقه أن تنتظم حياة الأفراد ويسير الناس وفق نظام ضابط واضح وجلي و معايير معلومة و بينة، لأن انتظام الحياة يسهل على الناس التمييز بين الغث والسمين، وبين الخبيث والطيب. لذلك فالمستبد في حرص شديد أن تكون المعيشة في إدارته ويكون النماء فيها يشبه نماء الأشجار الطبيعية في الغابات وأن يترك الأمر للصدفة تعوج أو تستقيم تثمر أو تعقم.
إن مصلحة المستبد والكيفية التي ينظر بها إلى الأشياء تقتضي أن يكون كالحطاب الذي إن وجد أشجارا رائعة وثمارا يانعة وأزهارا ناعمة مغروسة في انتظام وروعة، أفسدها بالقطف وخربها بغية إرضاء شهوته وتحقيق ما يراه نافعا له وحده. ألم يقل "منتسكيو" : أن طبيعة الحكومة الإستبدادية تشبه متوحشي "لويزيانا". فعندما يريدون قطف الثمار يقطعون الشجرة من أصلها..! وبالتالي فإن مقام المستبد بإزاء الأخلاق كمقام الحطاب الجاهل الذي لا يرجى منه خير مطلقا، فهو مخرب مفسد.. ويزداد شرّه قسوة إذا كان غريبا (تركيا في مقام الحال) عن ديار العرب ولم يخلق من تربتهم.!؟
وهذه الفوضى السياسية تجعل الفرد لا نظام في حياته ما دامت كل القوى التي لها تأثير وسلطان على المجتمع تدفعه بطريقة أو بأخرى أن يعيش في فوضى، مشوش البال بحيث تنحصر كل اهتماماته في حفظ حياته الحيوانية حياة "الدناءة" – حسب تعبير الكواكبي- ويعيش محروما من الملذات الروحية والفكرية التي ترتقي به إلى مصاف الإنسانية الحقة..! قد يوجد في هذا المجتمع بعض الأخيار الذين استطاعوا تزكية نفوسهم من وباء المجتمع ومقاومة التيار الجارف للفساد، لكن الإدارة المتعسفة ترغمهم على إلفة الرياء والنفاق بصورة ظاهرة أو خفية لأنها تعين الأشرار على باطلهم آمنين حتى من الإنتقاد والفضيحة ‘ فلا يجرؤ أحد على التشهير بهم أو تقديمهم إلى "العدالة" وهل هناك عدالة في ظل حكومة المستبدين!؟ بالإضافة إلى خوف الناس من تبعة قول الحق وما يجره عليهم من ويلات..!!؟؟
فالأمة الواقعة تحت حكم الإطلاق تفتقد في الغالب الأعم إلى المربين الصادقين ذوي الخبرة والمعرفة الصحيحة فقلّ أن يوجد بها "من يعلم التربية أو يعلمها".. فالقلة التي تتصدر "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" هم على الأكثر من رجال السلطان أو من أولئك المتملقين المرائين الذين لا خلاق لهم.! وهؤلاء ينحصر موضوع نهيهم في الرذائل النفسية فقط دون غيرها من الرذائل السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية.. مما لا يفيد الأمة في شيء. لأن المجتمع في واقعه ليس مجرد مجموع أفراده فهو حقيقة قائمة بذاتها، وله قوانينه الصارمة ومطالبه ومقتضياته الخاصة التي تزيد عن كونها حاصل جمع آلي لاتجاهات الأفراد المكونين له.
لقد فطن الكواكبي إلى هذه الحقيقة الإجتماعية و العلمية الهامة. وكان فيها سابقا لعصره، وهذا ما دفعه إلى خوض حرب لا هوادة فيها ضد أولئك الذين كانوا يعتقدون أن المجتمع ليس إلا مجموع أفراده، وإن إصلاح الأفراد معناه إصلاح المجتمع. إن إمكانية تغيير المجتمع بالتركيز على إصلاح أخلاق الفرد وهو لا يزال يعيش في ظل علاقات الإستبداد مستحيلة وغير عملية، لأن المجتمع تحكمه علاقات سياسية واجتماعية، وتربط بين أفراده أفكار ومشاعر وأنظمة وقوانين موحدة، فإذا ما أريد تغيير أي مجتمع فلا بد من تغيير هذه العلاقات الفاسدة التي تحكمه وعلى رأسها النظام السياسي وطرق توزيع الثروة أي تغيير كل القوانين التي تسير دواليب الدولة : وهو ما يجعل من الإعتناء بالتربية زمن الإستبداد حمق وبلاهة وجهل لطبيعة الإصلاح والتغيير و حقيقته.!
فالأجدى بالإنسان الساعي بصدق إلى تغيير حقيقي وانقلابي/ثوري أن يجتهد أولا في إزالة الإستبداد وتغيير العلاقات والأفكار التي تحكم المجتمع الذي يعيش طور الإنحطاط بأفكار أخرى تقدمية.. تحمل بذور النهضة والرقي و التغيير الحقيقي، عندها فقط يصبح الإعتناء بالتربية مثمرا، لأن التربة حينئذ تصبح مهيأة لتقبل الغرس الطيب..أنه لمن العبث أن يفكر إنسان في تربية الناس وهم يعيشون وسط انخرام علاقات المجتمع السياسية والإجتماعية و الإقتصادية لأن كل ما يمكن أن تبنيه التربية في أعوام يهدمه الإستبداد في ساعات. إذ بمجرد أن يختلط المرء ببني جنسه ويشارك المجتمع الحياة العامة يصطدم بفساد علاقاته وانخرامها كاستشراء الرشوة والوصولية والتمجد والإستغلال و الفساد، فإذا صمد قليلا فإنه لا يمكنه أن يصمد طويلا، فينخرط بدوره في حركة المجتمع ويخضع لقوانينه وأخلاقه الفاسدة وينسى تلك الأخلاق السامية التي نُشئ عليها منذ كان طفلا، وهكذا يضيع مجهود سنوات بمجرد اختلاط الإنسان بمحيطه و بمجتمعه.








III- شروط بقاء الإستبداد و ركائزه:
1- الإرهاب:
جاء في تمفصلات تحليلنا السابقة أن سبب الإستبداد المباشر: الخوف الذي يهيمن على نفوس أفراد الشعب. فالخوف بمثابة الوحش الكاسر الذي يخضع الرعية لسلطان المستبد وزبانيته ويجعلهم قاصرين و عاجزين عن الحركة والوقوف في وجه الظلم المسلط عليهم وتخليص ذواتهم من الإستبداد. فهو روح المستبد وعدته والأرض الصلبة التي يقف عليها، يعرف المستبد أنه لولا استشراء الخوف بين الناس ما دام له سلطان، ولا امتد له نفوذ، لذا فهو في سعي دائب لتربية هذا الوحش الكاسر وإطالة أظافره ورعايته بكل الوسائل المستحدثة حتى يتمكن من بسط هيمنته على كافة أفراد المجتمع.
لا يعدم الطغاة وسيلة يرونها تكرس الخوف منهم وهيبتهم وتنشر الرعب إلا ويستعملونها للضغط على النفوس والأرواح والأجساد. فهم ما فتئوا منذ أقدم العصور يبتكرون الحيل ويطورون وسائل الإرهاب للضغط على العقول حتى يكمموا الأفواه عن الشكاية والضجيج، ويحكموا من قبضتهم على رقاب الناس حتى تضمن لهم القوة والإستمرار في الحكم.
فالإستبداد ليس مجرد رغبة وشهوة شخصية، ولا حتى غفلة جماهيرية فحسب وإنما هناك شروط وركائز يعتمدها الظالمون للحفاظ على عروشهم وحماية مصالحهم من كل ما من شانه أن يهدد سلطانهم بالزوال، ويمكن حصرها في ست(6) ركائز أساسية تتصدرها عملية الإرهاب نفسها، فالمستبد يعتمد عادة على أجهزة مختصة لإرهاب الناس وتخويفهم وقهرهم وإذلالهم، مثل أجهزة البوليس والجواسيس والعملاء وغيرهم... فكلما كان الطاغية حريصا على العسف والخسف والتنكيل بالأحرار احتاج إلى زيادة جيش هؤلاء ممن لا خلاق لهم ولا ذمة، فهذه الشرذمة التي يعتمدها المستبد للإرهاب والتنكيل هي من أقسى الناس قلوبا وأحطهم أخلاقا وأقلهم مروءة، فالأسافل لا يميلون لغير اللأسافل من المتملقين و المنافقين مثل صاحبهم المستبد الأكبر، ومهمة هؤلاء الأوغاد: إخضاع الناس بالقوة وتذليلهم حتى يصبحوا منهم ومن السائرين في ركبهم، ومراقبة كل معارض لحكم القهر والجبروت..! والتجسس على الناس في ديارهم وإثارة القلاقل والفتن ونشر الفساد، وتكميم الأفواه حتى لا تنبس ببنت شفة، وتحطيم أصحاب الأقلام الحرة، ودفع الناس إلى أن يعيشوا عيشة البهائم..!!؟
إن الغاية من تكثيف أجهزة الإرهاب هي إذلال الناس وتحطيم حياتهم و معنوياتهم.. وجعلهم طائعين مستسلمين لا يرجى منهم خير أو صلاح، وكيف يرجى الصلاح من أناس يعيشون تحت الإرهاب ليل نهار فتكثر هواجسهم حتى يعتقدوا أن داخل رؤوسهم جواسيس عليهم، وبذلك يصبح أسراء الإستبداد يعيشون داخل سجون وهمية صورتها لهم نفوسهم المريضة وهواجسهم الكثيرة.
2-القوة المسلحة:
إن القوة المسلحة والجيش الذي أنيط بعهدته – في الأصل- مهمة حماية ثغور الأمة من الأعداء المتربصين، ينقلب في عهد الإستبداد إلى قوة معادية لمصالح الأمة، تخدم المستبد وتكرس الإرهاب وتوجه طاقاتها لإثارة الفتن والقلاقل الداخلية وتصبح درعا تحمي المستبد وأعوانه وقت الشدة وتحول بين الأمة واقتصاصها من الطغاة.
فعهد الظلم يقلب حقائق الأشياء ومهماتها البديهية وينحرف بأدوارها في سبيل حماية المصالح المعادية لمصالح الأمة.إن الجهاز العسكري الذي كونته الأمة وصرفت عليه الأموال الطائلة لنشر الأمن والإستقرار بين الناس وحمايتها من تسلط الأعداء.. يصبح وقت الإستبداد جهازا مختصا في نشر الرعب وترويع الآمنين ومن ثم يسير بالأمة نحو التآكل الداخلي والإندحار.!؟
3- القوة المالية:
كما تعتمد إدارة الطغيان على الرجعية الداخلية التي تحتكر الثروات، فهؤلاء بفضل الثروة الطائلة التي اغتصبوها من عرق جبين الأمة ظلما واعتسافا يكثرون من إظهار الأبهة والعظمة وإنشاء الأماكن الخاصة بهم وحدهم لمتعتهم وسمرهم ويستكبرون على الناس بأموالهم وسلطانهم. ويطلق المستبد أيدي هؤلاء في ظلم الناس وإذلالهم وغصب حقوقهم وأكل أرزاقهم حتى تنكسر شوكتهم ويكثر أنينهم وتستفحل أسقامهم، فيعجزون ضرورة عن مقاومة الإستغلال والظلم المسلط عليهم... يدرك المستبد أهمية أهل الثروات في مساعدته على إذلال الرعية وإخضاعها واسترهاب أعين الناس وسحر عقولهم بما يصبغونه على أنفسهم من مظاهر الأبهة والإستغلال فيعطيهم الألقاب والرتب وشيئا من النفوذ والتسلط على الناس. ويذللهم بالترف حتى يجعلهم يترامون بين رجليه ثم يتخذهم لجاما لتذليل الرعية لأنّ الكل يجب أن يكون في خدمة السلطان، فهو "الرب" وهم "العبيد" ولا يمكن أن يترك أحدا يعلو على مقامه ولذلك يعمد في كثير من الأحيان إلى نشر الفساد بينهم وإلهائهم بملذات الحياة ونعيمها لإبعادهم بذلك عن أي انخراط مع أحرار الأمة في مقاومة الظلم أو الإتفاق عليه أو الإنقلاب ضدّه.
4- العادة والألفة:
تقتل العادة والألفة التفكير وتحيل ذهن المرء على التقاعد المبكر، لأن العادة – وهي أخطر فتكا من كل داء- تجعل الناس يستنيمون للظلم ويستكينون له ويألفون القسوة والركود لا يحركهم ظلم أو طغيان ولا يغضبون لانتهاك الحرمات ولا يحرجهم التعدي على الأعراض، قد فقدوا الرجولة والشهامة وأصبح الألف منهم كأف مما يحولهم في ذهن المستبد وزبانيته إلى مجرد "أشباح فيها أرواح" فيصبح ما لهم فيئا ينتهب وشرفهم – إن كان لهم شرف أصلا- مهانا وكرامتهم في التراب، فالمستعبد الذي يعيش في ظل الإستبداد السياسي لا يملك مالا غير معرض للسلب ولا شرفا غير معرض للإهانة ولا يملك آمالا مستقبلية وتقتصر حياته على الملذات الحيوانية لأنه لا يعرف غيرها.
تنحط الألفة بالإدراك وتسهل انخداع الناس بالمظاهر الكاذبة التي يتفنن المستبد وأعوانه في إبرازها للإرهاب والتخويف، فتسيطر الأوهام على الأذهان ويسهل انصياع الناس للأكاذيب والأراجيف "انصياع الغنم بين أيدي الذئاب" فيصيرون إلى حتفهم ويهلكون أنفسهم بأيديهم وأيدي الطغاة و زبانيتهم..!!؟

5- القوة الخارجية " الإستعمار":
الإستعمار هو العمل، أو مجموعة الأعمال التي من شأنها السيطرة أو بسط النفوذ بواسطة الدولة، أو جماعة من الناس، على مساحة من الأرض لم تكن تابعة لهم، أو على سكان تلك الأرض أو على الأرض والسكان في آن واحد. هذا هو المفهوم الظاهر الذي اصطلح عليه الناس للإستعمار، أما ما نقصده هنا فيتمثل في مناصرة المستبد ومد يد العون له من قبل الدول الخارجية، فلقد كان الإنفراد بالسلطة والإستبداد بأمر الأمة ثغرة حرص الغرب الإستعماري على بقائها حتى تظل فرصته سانحة لإغتصاب استقلال البلاد. لأن الإستعمار يتفق مع إستبداد الأتراك بالعرب بكونه يمثل أسوأ مظاهر الإستغلال والإستعباد والتخريب والتدمير، فالشعب المالك يتمتع بحريته ويسير وفق إرادته، والمملوك مسير لا مخير، وليس له من الإرادة في تصريف أمره وتكييف مجرى حياته إلا بمقدار ما يسمح به سيده المالك المهيمن.
وهكذا تلتقي دائما مصالح الإستعمار والمستبدين و تتحد.. وعوا بذلك أو لم يعوا..! إذ يكفي الحاكم المستبد جرما في حق أمته أن يهيئ النفوس للظلم ويفقدها الحصانة على المقاومة. والثابت أن الإستعمار الغربي ما دخل ديار العرب والمسلمين إلا لما فقدت هذه الأخيرة حصانتها الداخلية و صارت لها قابلية الإستعمار بفضل عصور الإستبداد والإنحطاط وانفراد المستبدين /المتألهين في ديارنا بالحكم و النفوذ و ثروة البلاد.. !!؟
لكل هذه الأسباب اعتبر الكواكبي أنه من العدل الإلهي وقوانينه الأزلية في الكون أن الشعب الذي رضي باستبداد حكامه ولم يعمل على مقاومته أن يتسلط عليه شعب آخر يستعبده ويستعمره وينتهب خيراته... وهو بذلك يحذر الشعوب الإسلامية من مفاجآت المستقبل ما دامت قد رضيت باستبداد الأتراك العثمانيين، والكواكبي يعرفنا أن أي شعب لا يتعرض إلى الإستعمار الخارجي إلا بعد أن يفقد حصانته الداخلية التي ضمنتها له "الإسلامية" وهو البديل الذي طرحه الكواكبي للتخلص من الإستبداد وتحقيق النهضة كما سنرى لاحقا.
6- رجال الدين:
وهم الذين ربطوا أنفسهم بنظام المستبد وباعوا ضمائرهم للشيطان.. ! فعادة ما يعمد هؤلاء إلى تأويل الدين تأويلا يجانب الصواب عن عمد، ويقلبون الحقائق ويزيفونها، فيوهمون الناس بأن الإستبداد وكل ما يتسلط عليهم من قبل زبانية السلطان / المستبد من ظلم واعتساف قضاء وقدر "جاء من السماء فلا مرد له بغير الصبر والرضا" ويطلقون على أي ثورة ضد السلطان الجائر "فتنة" والفتنة أشد من القتل!؟ وقولهم "حاكم غشوم خير من فتنة تدوم"؟ ويلزمونهم بطاعة "أولي الأمر". وإن كان لا يربط هؤلاء المستبدين بالإسلام إلا انتسابهم إليه انتسابا شكليا و وراثيا، كما يشيعون بين أفراد الأمة أن التخلف جاء"بسبب التهاون في الدين" فما عليها (الأمة) إلا أن تكثر من العبادة والنسك وإقامة الطقوس الدينية فينصلح الحال، في حين أن هذا الجانب من جوانب الدين لن يزعج أهل الباطل والإستبداد في شيء، ولن يقض مضاجعهم بل من المؤكد أن مثل هذه الآراء تساعدهم على إحكام قبضتهم على رقاب المسلمين وإبقائهم في درك الإنحطاط. فزيادة العبادة والنسك عن حدها المشروع "أضر على الأمة من نقصها، كما هو مشاهد في المتنسكين" وبالتالي تصبح نية هؤلاء "المتفقهجين و المتاجرين بالدين" الكذب على الأمة وخداعها رغم علمهم أن حكم الإطلاق رأس كل شر ووراء كل مصيبة.!
حرص الكواكبي لما كان بصدد البحث في علاقة الإستبداد بالدين أن يهدم الآراء الخاطئة عن الإسلام التي تبناها المسلمون.!؟ ودحض الإنتقادات التي يوجهها إليه الأوروبيون في آن واحد‘ مثل نسبتهم الإستبداد إلى الإسلام ومبادئه نفسها.!!!؟
فلقد شاع لدى بعض المفكرين الغربيين الرأي القائل بانبثاق الإستبداد السياسي عن الإستبداد الديني لاعتماد كليهما على ركيزة أساسية وهي الخوف. فتاريخ الأديان يعلمنا أن المعتقدات القديمة وخاصة المعتقدات الطوطمية قد ظهرت بسبب ما كان يستشعره الإنسان البدائي من خوف تجاه قوى طبيعية متعددة تتحكم بقسط كبير في حياته. ولقد جاء قول ماركس ملخصا لهذه الآراء حينما قرر: "أن كل دين ليس سوى الإنعكاس الواهم في دماغ البشر للقوى الطبيعية التي تسيطر على وجودهم اليومي". ولا شك أن النظرة العادية لمنشأ كل من الإستبداد والدين يخرج بنتيجة مؤداها وجود اتفاق كلي بين الركيزة التي يعتمدها الإستبداد لبسط نفوذه على أرواح البشر وأجسادهم، والركيزة التي يعتمدها الدين للتحكم في عالم القلوب .. فهما: "أخوان أو صنوان بينهما رابطة الحاجة على التعاون بتذليل الإنسان" وهذا ما يجعل الإصلاح السياسي مشروطا بإزالة الدين أو عزله عن الحياة- حسب تأكيدات رجال الأنوار-، فها هو أحد المتنورين الغربيين يحدثنا بحماس فياض عن فكرة التحرر والإنعتاق من ربقة الكنيسة التي كانت تضطهد الناس وتستبد بهم باسم الدين. يقول كوندرسي كاريتا Condorcet Caritas (1743- 1794): "إيه أية صورة رائعة للجنس البشري إذ يتحرر من قيوده وينعتق من عبودية الصدفة، وكأنه ينعتق من أعداء التقدم، ثم يسير بخطى ثابتة أكيدة على طريق الحقيقة والفضيلة والسعادة تعنّ للفيلسوف فتعزيه عن الأخطاء والجرائم والمظالم التي ما زالت الأرض تعج بها والتي كثيرا ما يقع هو ضحيتها، وهو يجد مكافأة لجهوده من أجل تقدم العقل والدفاع عن الحرية في تأمل هذه الرؤيا، عند ذلك يجرؤ على ربط جهوده بالتسلسل الأزلي للقدر الإنساني وهو يجد هناك المكافأة الصحيحة للفضيلة. وتلك هي اللذة في أنه خلق خيرا، ثابتا لا يستطيع القدر أن يهدمه مهما وعد من ثواب في مقابل إعادة الأفكار الموروثة والعبودية".
إن الكواكبي وهو العالم المتبحر في معرفة التاريخ قديمه وحديثه، يقر بصحة هذه الآراء التي تقف ضد موروث الدين، ويتعاطف معها.. غير أنه يقرر أن هذه الأفكار وهذه الآراء لا تنسحب على الإسلام، بل تنسحب فقط على المسيحية واليهودية بسبب ما قام به أتباع هذه الديانات من تحريف لكتبها المقدسة، وهو ما لم يقع للقرآن الذي حفظه الله من التحريف وحماه من التبديل بسبب اختلافه عن قول البشر و إعجازه و تجاوزه لقدرات الجن و الإنس و لو اجتمعوا.. وهو ما يجعل مقولة أن القرآن جاء باستبداد مؤيد للإستبداد السياسي لا أساس لها من الصحة، خاصة وان القرآن لا يزال بيننا ويمكننا التثبت من بطلان مثل هذه المقولات والإدعاءات. لقد انفرد الإسلام من دون كل الأديان بإماتة الإستبداد ومحاربته بفضل ما حوته تعاليمه من دعوة للشورى وعدم الإنفراد بالرأي وإحياء العدل والتساوي.
إن جعل كلمة لا إله إلا الله محور الدين في الإسلام كفيلا بأن يذكر النفوس أن العزة لله وحده، وأن النفوس لا يصح أن تذل لأحد سواه أو ترهب غيره،أو تتبع قانونا غير قانونه.. فهذه الكلمة توحي بالضعف أمام الله والقوة وعزة النفس، فثمرة الإيمان بوحدانية الله "عتق العقول من الإسارة" على حد تعبير الكواكبي.
فإذا ما كان الدين الإسلامي خاليا من السلبيات المقيتة التي من شأنها أن تعطل الإنسان أو تخدره أو تصرفه عن مقاومة الإستبداد، وهو صالح لكل زمان ومكان، فإن الخطر كل الخطر يكمن " في العلماء المتعممين" من رجال السلطان الذين يقلبون الحقائق ويزيفونها و يشرعون للظلم و الإستبداد في سبيل خدمة الطغاة وإرضاء شهواتهم، وبذلك يصبح هؤلاء "أضر على الدين من الشياطين" لأن هذه الفئة الضالة تستخدم رسالات السماء لخدمة المستبد لنيل فتات موائده.
إن حملة الكواكبي على رجال الدين لها ما يبررها تاريخيا، فقد كثر في زمنه المتملقون من العلماء ورجال الدين والمتصوفة، ولعل أبا الهدى الصيادي كان يمثل رمزا لكل هؤلاء، فقد قال عنه محمد عمارة: "كبير مشعوذي الدولة العثمانية في ذلك الحين وهو الذي ساهم في اضطهاد العديد من الأحرار. وفي مقدمتهم جمال الدين الأفغاني، وعبد الله نديم، ومحمد عبده" وكان عدوا للإصلاح، ملأ من ضحاياه السجون والمعتقلات وأعماق البحار، ونفى وأذل وأفقر من البشر ما لا حصر له، واستطاع أن يلعب بعقل السلطان عبد الحميد ويستبلهه بحيل روحية حتى انقاد له ومكن له في الأرض ليعبث فيها ويهلك الحرث والنسل. وكان لجمال الدين الأفغاني رأي فيه، وهو مناجزته، وللشيخ عبده رأي آخر فيه هو مسايرته، ويظهر أن الكواكبي قد أخذ برأي جمال الدين فأقام عليه حربا ضروسا لا هوادة فيها ناهيك بما كان بينهما من خصام عائلي.














الباب الثالث:
النزعة النقدية و الإصلاحية لدى الكواكبي:
1- نقد الإستبداد بين الكواكبي و" الفياري":
كنا قد بينا في تمفصلات تحليلنا السابقة اقتناع الكواكبي بضرورة الإستفادة من الفكر الغربي الحديث، وحضارته بل والإقتباس من تعاليمه إن كان ذلك يساعد العرب على الخروج من مستنقع التخلف والإنحطاط الذي هوَوْا فيه. وأتينا على ذكر بعض مؤثرات فلاسفة الأنوار على فكر الكواكبي. كما ألمحنا إلى أن أبرز الذين كان لهم تأثير عميق في فكر الكواكبي عند نقد الإستبداد، الأديب الإيطالي "فكتور الفياري"، حتى أنه بلغ من شدّة تأثر مؤلفنا بهذا الأديب أن امتدحه في كتاب "الطبائع" واقتبس الكثير من أفكاره، واستمد منه إطار كتابه... وسنحاول في هذا الفصل أن نلقي مزيدا من الأضواء على علاقة الكواكبي الفكرية بهذا الأديب بإقامة مقارنة نموذجية بين بعض ما ورد في كتاب "طبائع الإستبداد" للكواكبي، وكتاب "الإستبداد" للفياري في الجدول التالي:

الكواكبي الفياري المفهوم
الإستبداد: صفة للحكومة المطلقة العنان التي تتصرف كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين... كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة.. تشمل أيضا الحاكم الفرد المقيد الوارث، أو المنتخب. ص31و32. الطغاة: كل الذين توسلوا بالقوة أو حتى بإرادة الشعب أو النبلاء إلى القبض
التام على أطراف الحكم ويعتقدون أنهم فوق القانون أو هم كذلك... والطغيان الصفة التي يجب أن تنعت بها.. أي حكومة يستطيع فيها الشخص المنوط بتنفيذ القوانين أن
يضعها أو يقضي عليها أو ينتهكها أو يفسرها أو يعرقل سيرها أو يوقفها وهو في مأمن من العقاب ص12و15.


مفهوم الإستبداد
المستبد على الدوام محاطا بالأعداء ملحوظا بالبغضاء، غير أمين على حياته طرفة عين. وكلما زاد المستبد ظلما واعتسافا زاد خوفه من رعيته ومن حاشيته. وحتى من هواجسه... ص 53.
لا استعباد ولا اعتساف ما لم تكن الرعية حمقاء تتخبط في ظلامة جهل وتيه عماء. ص 50.
كلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج إلى الدقة في اتخاذ أعوانه من أسفل السافلين... فالتمجيد خاص بالإدارات المستبدة. وهو القربى من المستبد بالفعل. ص83

المستبد.. يتخذ بطانة من أهل الدين المستبدين يعينونه عل ظلم الناس... ويذللهم بالقهر والقوة وسلب الأموال حتى يجعلهم خاضعين له... ص36. الخوف والشك، رفيقان لا ينفصلان عن كل قوة غير شرعية.. ص24.
الجهل، والتملق والخوف أعطت ولا تزال تعطي الحكم الملكي المستبد شرعية وجوده. ص 18.
لا يشعر (المستبد) بالأمن إذا لم يعط المناصب الأكثر أهمية في الدولة إلى أناس لا أخلاق لهم... وقد باعوا أنفسهم له، يشبهونه ويفكرون بعماء بعده، وهذا يعني أنهم أكثر الناس ظلما وعسفا... ص28.
المستبدون:الخوف ركيزتهم والمليشيا والدين وسيلتهم ص 102.



ركائز الإستبداد ووسائله
إني أرى قصر المستبد في كل زمان هو هيكل الخوف عينه فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدس، والأقلام هي السكاكين وعبارات التعظيم هي الصلوات والناس هم الأسرى الذين يقدمون قرابين. ص 54. قصر الملوك هو هيكل الخوف، والمستبد هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة (أما) الحرية... وحب العدل والفضيلة والسعادة الحقيقية، ونحن أنفسنا فضحايا ندفع الثمن كل يوم...ص 22.
صفات الإستبداد
الإستبداد السياسي متولد من الإستبداد الديني. ص 35. الإستبداد الديني ولـّد الإستبداد المدني. ص 64. الإستبداد والدين
وأما أسراء الإستبداد...فملذاتهم مقصورة على مشاركة الوحوش الضارية في جعلها بطونها مقابر للحيوانات ومزابل للنباتات، وعلى استفراغهم الشهوة كأن أجسامهم خلقت دملا على أديم الأرض وظيفتها توليد الصديد ودفعه. ص131
..المعيشة البشرية، في الإدارات المستبدة (هي) محض نماء يشبه نماء الأشجار الطبيعية في الغابات والإحراج...ص102
... ولهذا فإن الفلاسفة المفكرين لدى الشعوب الحرة، لا يجدون أي فرق بين الحياة الحيوانية وتلك التي يحياها الإنسان الذي لا يتمتع بحريته، وبإرادته وأمنه، ولا يتحكم في نفسه... ولا يتمتع بسعادة حقيقية. ص 123.

إسراء الإستبداد لا أسمي حياتهم حياة إنسانية بل هي حياة النبات. ص 138
حياة الواقعين تحت الإستبداد
المستبد في لحظة جلوسه على عرشه... يرى نفسه كان إنسانا فصار إلاها. ص 65 المستبد لا يمكن أن يحب رعيّته ويرى أنهم تحته. ص 131. علاقة المستبد برعيته
حرص التمول يخف كثيرا عند أهالي الحكومات العادلة. ص 79. ...ويحسن بنا أن نلاحظ أيضا أن الفرق بين الإستبداد وبين حكومة عادلة... ص 16 نقيض الإستبداد
الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها، بآلام الإستبداد لا تستحق الحرية.ص140. الشعب الذي لا يشعر بوطأة العبودية قد وصل إلى درجة كبيرة من البلاهة، وهو لا يستحق الحرية السياسية. ص150
شروط الإنعتاق من الإستبداد
الإستبداد لا يقاوم بالشدّة، إنما يقاوم باللين والتدرج. ص 140. في الدول التي يوجد بها الإستبداد متجذرا منذ أجيال عديدة يصبح من الضروري توفير وقت كاف كي يستطيع الوعي المتأخر تحطيمه. ص 155.
كيفية التخلص من الإستبداد

يكشف لنا هذا الجدول المفاهيم الكثيرة التي استقاها الكواكبي من مؤلف "الإستبداد للفياري"، لكن ذلك لا ينقص من قيمة ما كتب الكواكبي في نفس هذا الموضوع (الإستبداد) ولا يقلل من طرافة ما حبّر. فلقد تميّز مؤلفنا بوضوح وإحاطة شاملة بموضوع بحثه – كما سبق وبينا - بالإضافة إلى محاولته الطريفة في التوفيق بين بعض منتجات الفكر الغربي الحديث وبين التراث العربي الإسلامي. لكنه لم ينج من انحيازات طبقية عندما قرر أن إدارة شؤون المجتمع يجب أن تبقى حكرا على فئة من أشراف الأمة، متناسيا أن الفرد الذي لا يشارك في إدارة شؤون مجتمعه هو إنسان ميت، وبالتالي فهو قد حكم بالموت على الملايين من أفراد المجتمع الذي يسعى لتغييره!؟


2- التقاطع بين الشرع والغرب في فكر الكواكبي:
كنا قد مهدنا إلى هذا العنصر بما ورد في تمفصلات تحليلنا من ذكر لبعض مؤثرات الفكر الغربي الحديث على أراء الكواكبي النقدية وأفكاره الإصلاحية واستقائه للكثير من المفاهيم والأفكار من الكاتب الإيطالي "الفياري" . فنلاحظ أن الكواكبي قد أقام منهجه الإصلاحي على ركيزتين أساسيتين:
الوعي بالوضع القائم.. ثم العمل على تغييره.. والوعي في رأيه مزدوج: وعي الذات ووعي الآخر...: أما وعي الذات فيتمثل في نفي ما يطمسها أو يشوشها من المفاهيم الخاطئة، خاصة تلك التي علقت بالدين الإسلامي، وفضح الممارسات الخاطئة التي ترتكب باسم الدين أيضا. وهذا لا يأتي إلا بتقديم المفاهيم الصحيحة، والحرص على إقامة كيان تنفيذي وهو الحكومة التي ترعى الممارسات الصحيحة وتمهد لها.
أما وعي الآخر (الغرب أساسا)، فالقصد منه الإستقلالية عنه: يقول الكواكبي في "أم القرى": "وأما الناشئة والمتفرنجة فلا خير فيهم لأنفسهم فضلا عن أن ينفعوا أقوامهم وأوطانهم شيئا". وقد قبل الكواكبي الإنفتاح على حضارة الغرب، سواء كانت مادية أو معنوية للإستفادة من علومه الصحيحة والصناعات المفيدة واقتباس أنظمة الحكم العادلة التي لا تخرج عن روح الإسلام كالديمقراطية والحرية والاشتراكية، دون مجاوزة ذلك التأثر بثقافته وفلسفاته المادية الملحدة..!؟: يقول الكواكبي كاستنتاج بعد مقارنة طويلة: "فهذه أمم أستراليا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق شتى وأصول راسخة للإتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والإرتباط السياسي دون الإداري. فما بالنا لا نفكر في أن نتبع إحدى تلك الطرق أو شبهها".
وهو إذ يدعو إلى الإقتداء بالغرب حتى في أنظمة الحكم يعتقد اعتقادا راسخا أن الغرب قد " قرّر قواعد أساسية في هذا الباب تضافر عليها العقل والتجريب، وحصحص فيها الحق اليقين، فصارت تعد من المقررات الإجتماعية عند الأمم المترقية " مقتديا في ذلك بسلفه خير الدين التونسي الذي كان قد قرر هو بدوره أن أساس قوة أوروبا وازدهارها "المؤسسات السياسية القائمة على العدل والحرية"، ولا يمكن للأمة أن تستعيد قوتها ومجدها إلا إذا عرفت مكامن هذه القوة وتبنتها..!!؟؟
فالأصالة عند الكواكبي لا تعني رفض الآخر، أو عدم التفاعل معه أو الإنفتاح عليه .. وهي لا تعني كذلك عدم الإفادة منه أو محاكاته، فالأصالة في نهاية المطاف لا توّرث وإنما تبتدع بهدي من "الإسلامية" وهي ليست ماهية ثابتة وإنما هي قوة متحركة، فما يصلح لمجتمع معين في مرحلة معينة من تاريخه قد تنعدم فائدته تماما بالنسبة له في مرحلة أخرى، وبالتالي فإن معايير الأصالة في الماضي غيرها في الحاضر، وستكون في المستقبل غيرها الآن..
لم يكن هاجس الكواكبي إذن تحطيم الآخر أو نبذه، وإنما كان هاجسه بناء الذات، ومنذ أن تبنى الذات، تقوى وتستقل وتثبت هويتها إزاء الآخر، إن ضعف هذا البناء هو الذي يتيح للآخر الهيمنة والإستعمار، ويجعل الذات في تبعية دائمة له. ولا يجوز أن نغفل أن بناء الذات لا يجوز الإقتصار فيه على استخدام المادة التي ترثها عن الأجداد أو تملكها راهنا. وإنما يحسن بل يجب استخدام المادة المفيدة عند الآخر، تلك التي هيأ له استخدامها أن يتفوق وينتصر ويبني الحضارة. لكن شريطة أن تظل مادة الآخر خاضعة لخصوصية الذات.. والخصوصية هنا قرينة الأصالة، فهي تتمثل من ناحية في العودة إلى الأصل أي الدين والقضاء على جميع ما يتعارض مع وحدة الأصل و حقائقه الأزلية، ويتمثل من ناحية ثانية في تحطيم السلطوية الإستبدادية وإقامة الحرية والعدالة والمساواة... وهكذا تبدو النهضة عنده ليست عملية اقتباس، وليست عملية تحرر، إنها استمرار تفتح ضمن التاريخ العربي الإسلامي بهدي من مبادئ "الإسلامية" واستمرار في تعميق الوعي أي وصل ما انقطع في ممارسة "الإسلامية" وسيرتها وليس الآخر إلا نموذجا تحريضيا. فماذا يعني الكواكبي ب"الإسلامية"؟
3-الكواكبي والتجديد:
أ‌- مفهوم "الإسلامية":
انطلاقا من نظرة الكواكبي إلى "الذات" و"الآخر" التي حاولنا تحليلها في الفصل السابق، سعى في ثنايا نقده للإستبداد وتحديد مكامن الداء في المجتمع العربي الإسلامي،إلى تقديم البديل الفكري والسياسي والاجتماعي بهدف القضاء على الإنحطاط من جهة، وتحقيق النهوض والقوة من جهة أخرى. وغاية ما كان يسعى إليه من وراء ذلك، إحياء عظمة الماضي بحيث ينسجم مع متطلبات العصور الحديثة. وهو إذ ينظر إلى عصر الإسلام الأوّل "المجيد" كأنه صورة لما ينبغي للعالم أن يكون عليه في الحاضر، فهو قد شارك- في هذه النظرة- رواد النهضة العربية نظرة التقديس للماضي والإستلهام من ينابيعه التي لا تجف أبدا..! مقتنعا بأن "التاريخ يعيد نفسه".
إن النظرية التي يصدر عنها الكواكبي لتحقيق الأهداف والغايات التي رسمها للمستقبل هي ما يسميها ب"الإسلامية" وهي: الإختيارات التي يتبناها المسلمون في مختلف شؤونهم الحيوية، والحلول التي يستنبطونها لمشكلاتهم الحياتية مع اعتبار مقتضيات الزمان، دون الإخلال بالقواعد العمومية التي شرعها أو ندب إليها الرسول(ص) لأن الكواكبي يفرق بين "الإسلام" و"الإسلامية" فالأول هو الدين والثانية هي نظام الحكم الذي يطبقه المسلمون في حياتهم.
وبناء على ذلك ينادي الكواكبي بفتح باب الإجتهاد من جديد الذي كان إغلاقه أكبر مصيبة حلت بالمسلمين، ويرى أن الإجتهاد يجب أن يختص به العلماء المقتدرون ولا يجوز بذله في غير باب "المعاملات" أما "العقائد"فيكفي أن تطهر مما علق بها من شوائب فقط. ويبقى باب الإجتهاد وبذل الجهد الفكري فيما يتعلق بمشكلات الحياة المتجددة مفتوحا أبدا بل واجبا تحتمه الحياة ومصلحة المسلمين لمجاراة روح العصر انطلاقا من قاعدة "تغير الأحكام بتغير الظروف"!؟ فرؤية الكواكبي هذه تنبثق من الأصل/القرآن وتنظر على أنه يبقى مفتوحا قابلا للتلاؤم مع واقع الحياة المستجدة.
ب‌- تجديد الكواكبي في الجانب السياسي:
أولى ملامح "الإسلامية" هي الجانب السياسي والإداري. ويعرف الكواكبي السياسة فيرى "أنها إدارة شؤون الأمة المشتركة ورعايتها بمقتضى التقيد بقانون موافق لرغائب أفراد المجتمع وتكون هذه الإدارة بالتعاون والرضا من الجميع حاكمين ومحكومين"، وقد قدم مفهوما للمساواة كما أقرتها الثورة الفرنسية..: أي مساواة أمام قانون واحد يسري على جميع المواطنين حكاما ومحكومين في "نعيم الحياة وشظفها" لا فرق بين غني وفقير، وضعيف وقوي، وأبناء مذهب ومذهب، وبالتالي تنحصر وظائف السلطة التنفيذية أي الحكومة في إدارة شؤون الأمة بمقتضى التقيد بهذا القانون الصادر "عن جمع منتخب من قبل الأمة". ويظهر على ما يبدو أن موقع الكواكبي الطبقي والإجتماعي بوصفه ينتمي إلى عائلة الأشراف بحلب قد ساهم إلى حد بعيد في تحديد رؤيته السياسية عندما قرر أن "الإسلامية""مؤسسة"على أصول الإدارة الديمقراطية"،أي العمومية والشورى الأرستقراطية، "شورى الأشراف" وهو ما يكرس النخبوية في المجتمع الذي يدعو إلى إقامته الكواكبي، مع العلم أن نصوص الإسلام الداعية إلى الشورى جاءت عامة إلى كافة أفراد الأمة الإسلامية بدون استثناء دون أن تحدد أي صنف من الناس يختص بإدارة شؤون المجتمع دون بقية الناس، بل إن النصوص المشهورة في هذا المجال تخالف تماما رؤية الكواكبي السياسية النخبوية كقوله تعالى: "وشاورهم في الأمر" أو قول الرسول﴿ صلى الله عليه و سلم﴾: " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".
ثم يضيف الكواكبي أن لا إمكانية لنشوء الدولة المستقرة التي ترقى بأفرادها ما لم يتحول الحاكم إلى خادم مطيع يخضع للقانون بملء إرادته وتكون الرعية على وعي تام بسيرة حاكمها فتراقبه رقابة مشددة حتى لا يحيد عن الطريق السوي. ويمكننا أن نسأل الكواكبي هنا من أين لنا مثل هذه الرعية الواعية بدورها السياسي والفاعلة في مجريات الواقع ما دمت قد أحلت معظم أفراد هذه الرعية على التقاعد ليتركوا الأمر لأهل الحل والعقد المسمون عندك بالأشراف!؟
ويبدو أن الكواكبي كان مستلهما لرأي "منتسكيو" عندما ينبه إلى ضرورة فصل القضاء عن الحكومة والتفريق بين السلطات السياسية والدينية والتعليم مؤكدا على أن مثل هذه المبادئ السامية قد جسدت في حكومة الرسول صلى الله عليه و سلم والخلفاء الراشدين وبعض السلف كعمر بن عبد العزيز والمهتدي العباسي ونور الدين الشهيد...
وهكذا حاول الكواكبي "بمفاهيم إسلامية" تبرير تبني المؤسسات الغربية معتبرا ذلك التبني عودة إلى روح الإسلام لا إدخال شيء جديد عليه!؟، وقد جعلته ميولاته "الديمقراطية" يعتقد أن النظام البرلماني ليس سوى بعث لنظام الشورى الإسلامية على ما بينهما من فرق!!؟
ولم تتجاوز نظرته إلى الحكم الصالح الرشيد النظرة الدينية التقليدية التي تدعو الحاكم أن لا يحكم الهوى في حكم الناس وإنما عليه أن يحكم بالعدل.
فلم يحاول مثلا البحث في الطرق المناسبة والأجهزة المختصة القادرة على إجبار أي حاكم على الخضوع للقانون، كما لم يبحث في مصدر القوانين العادلة..!؟ بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقرر في آخر كتابه "الطبائع" أن الإستبداد السياسي "لا ينبغي أن يقاوم بالعنف" وهو الذي كرس كل حياته في مقاومة الإستبداد!؟ محتفظا بتسمية الثورة "فتنة"!!؟؟
ج- تجديد الكواكبي في الجانب الإقتصادي والإجتماعي:
تقوم "الإسلامية" في وجهها الإقتصادي والإجتماعي على ما يسميه الكواكبي "بمعيشة الاشتراك العمومي" ومعناه: التعاون والإتحاد والتحابب والإتفاق.
"فالإسلامية" كما أسست حكومة ديمقراطية تقوم على الشورى والحرية، أسست أيضا أصول هذه المعيشة التي تهدف إلى تحقيق التساوي والتقارب في الحقوق والحالة المعيشية بين البشر، و تعمل ضد "الإستبداد المالي"بمعنى رأس المال.. حتى لا يصبح المال دولة بين الأغنياء فقط وحتى يستطيع فقراء الأمة اللحاق بأغنيائها.إن منع تراكم الثروات بأيدي أقلية يصبح ضرورة حضارية وأخلاقية، لأن تراكم الثروة يولد الإستبداد الداخلي و الإستعمار الخارجي.. كما أن تراكم الثروات بأيدي أقلية يضر بأخلاق الأفراد ذلك أنه توجد علاقة جدلية بين الغنى المفرط أو الفقر المدقع وانحطاط الأخلاق.
وبهذه النظرة العميقة يتجاوز الكواكبي ذلك النقد ذو المنزع الليبرالي الداعي للمساواة الحقوقية. والذي يأخذ على حكم الإستبداد تجاوزاته ومناقضاته للتشريعات والقوانين المرعية، منطلقة من احترام مجرد لهذه القوانين والتي لا تمثل في الواقع إلا مصالح تلك الفئة التي تسن تلك القوانين وتكرس الأعراف المناسبة لمصالحها الإجتماعية والإقتصادية، داعيا إلى ضمان فعلي لمصالح كافة شرائح المجتمع.
إن الإستبداد السياسي هو المسئول عن الظلم والقهر من جهة وعن التأخر الإقتصادي وعن الحيف الاجتماعي من جهة ثانية. أما "الإشتراك العمومي" فهو سر البقاء والتقدم لكل ما في الكون و"هو أعظم سر الكائنات". فهو طبيعي يتلاءم مع سنن الكون، وقوانين الطبيعة، ومن ثمة فإن الفردية المطلقة لا مكان لها في المجتمع الذي يدعو الكواكبي إلى إقامته، لأنها ضد نظام الكون وسنن الحياة. بالإضافة إلى أن الإشتراك العمومي أصبح حاجة ملحة في العصر الحديث وهو العمود الفقري لإنجاز الأعمال الكبرى التي لا تفي بها أعمال الأفراد كما أنه حجر الزاوية في "نجاح الأمم المتمدنة".
تنبع دعوة الكواكبي إلى "معيشة الإشتراك العمومي" من فلسفة قوامها أن ثروة المجتمع إنما هي "فيض" قد أودعه الله في الطبيعة، وبناء على ذلك فإن كل ما في هذه الطبيعة من ثروات وكنوز ظاهرة أو باطنة يجب أن تبقى عامة وأن يسود فيها قانون الإشتراك العمومي بين البشر العاملين في ترويض هذه الطبيعة وإخضاعها.
فالمال المستمد من الطبيعة لا يجب أن يملك.. وإذا جاز أن يختص بإنسان أو يدخل في حيازته فإن طاقة العمل الإنساني تكون هي السبب لهذه الحيازة وذلك الإختصاص، يقول الكواكبي في هذا المجال: "إن المال المستمد من الفيض الذي أودعه الله في الطبيعة ونواميسها... لا يملك إلا بعمل فيه أو في مقابله".
لكن هناك نوع من الثروة يجب أن تبقى عامة ومشتركة بين العاملين في المجتمع ولا يصح أن تملك أبدا وهي: "الأراضي والمعادن والأنهر، والسواحل، والقلاع والمعابد والأساطيل، والمعدات إلخ". مما هو لازم للجميع وتبقى للحكومة صفة الأمانة على هذه الأملاك.
والحاصل أن "الإشتراكية" التي يدعو إليها الكواكبي قائمة على دعامتين: أولهما الملكية العامة للثروة وتدخل في نطاقها جميع احتياجات البشر الضرورية لحياتهم سواء كانت مادية أو أدبية، وفي مقدمتها الأراضي الزراعية وكل ما في باطن الأرض من معادن وكنوز وهي "ملكا لعامة الأمة يستنبتها ويتمتع بخيراتها العاملون فيها استلهاما من الحديث المشهور "من أحيا أرضا مواتا فهي له".
وثانيهما: طاقة العمل الإنساني المبذولة في تنمية هذه الثروة العامة وتحصيل ثمراتها. وبناء على ذلك يصبح معيار إنسانية الإنسان في المجتمع الاشتراكي هو العمل.. فلا يكون الإنسان "إنسانا ما لم تكن له صنعة مفيدة تكفي معاشه باقتصاد لا تنقصه فتذله ولا تزيد عليه فتطغيه" فلا مكان في المجتمع الذي يدعو إلى إقامته الكواكبي للمتعطلين الذين يريدون العيش على حساب الآخرين "فمن لا يصلح لوظيفة أو لا يقوم بما يصلح له بل يريد أن يعيش كلا عليهم (أي العاملين) لا عن عجز طبيعي (يكون) حقيرا يستحق الموت لا الشفقة".
إن السعي في هذا السبيل لتطبيق "مبادئ الإشتراكية" هو مواصلة لتراث سابق، واستجابة لحاجات كثيرة بعضها كامن في طبيعة النفس العربية لأن "العرب أهدى الناس لأصول المعيشة الإشتراكية"..!؟ إن تحقيق هذا الطراز الرفيع من الشورى والديمقراطية والإشتراكية الإجتماعية يأتي نتيجة "لثقافة معينة" و تتويجا لمذهب إنساني أي نتيجة لتقويم معين للإنسان على مستواه الشخصي وعلى مستوى علاقته بالآخرين. لذلك يتوجب تخليص الإنسان من كل التوجهات المضادة للشورى والديمقراطية، وهذا ما يجعل "الإسلامية الثقافة" تقتضي الحكمة العقلية وعلوم الحياة، وحقوق الأمم، وطبائع الإجتماع والسياسة المدنية والتاريخ المفصل... ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس وتوسع العقول، وتعرف الإنسان ما هي حقوقه، وما هي واجباته، وهذا ما يجعل من الثقافة الصحيحة المستنيرة والعميقة ونشرها بين كل أفراد المجتمع ركيزة أساسية من ركائز "الإسلامية" وأس من أسسها.
د- مهام الحكومة "البديل" للرقي بالأمة:
إن التنوير الذي سيطر على ذهن الكواكبي، كان قد هيمن عليه السياسي، كما لاحظنا. لأن "السياسي" في وعي النهضة لم يكن شيئا متعاليا ولا تعبيرة مجردة لواقع مستقل، بل التشخيص المؤسسي لحالة المجتمع بل والحضارة الإسلامية المحتضرة.وهذا الوعي بأهمية السياسي في تحديد حالة المجتمع، جعل الكواكبي يعطي "الحكومة البديل" دورا رياديا في النهوض بالمجتمع، لذلك أوكل لها مهمة تربية الأمة والسير بها في طريق الرقي والإزدهار إذ بيدها وحدها رقي المجتمع أو انحطاطه..! فعلى الحكومة المنتظمة التي ترعى شؤون الأمة أن تتولى ملاحظة تربية أفراد الأمة والسهر على راحتهم، وهذه المهمة تبدأ منذ ما قبل الزواج "بسن قوانين النكاح وتوفير متطلبات الصحة العامة كبناء المستشفيات وإيجاد القابلات والأطباء وبناء دور الحضانة وتشييد المخابر لصناعة الأدوية... كما عليها أن تفتح المدارس والمكاتب وتشجع على المعرفة والتعليم بدءا بالتعليم الإبتدائي وجعله إجباريا لكافة أفراد المجتمع، بلوغا إلى أعلى المراتب والدرجات، ثم تمهد المسارح والملاعب وتسهل الإجتماعات وتحمي المنتديات، وتنشئ المكتبات والمتاحف لحماية آثار الأمة وتراثها وتيسر الأعمال المفيدة وتشجع على كل خلق وابتكار.
لقد عاب الكواكبي على الإدارة المستبدة كبتها للحريات لذلك فلابد "للحكومة البديل" أن ترعى الحرية وتجعلها تقليدا من تقاليدها. والكواكبي إذ يورد مفهوم الحرية يورده بمثابة النقيض الأصلي لمفهوم الإستبداد، فعرفها (الحرية) بأن:"يكون الإنسان مختارا في قوله وفي فعله لا يعترضه مانع ظالم". وتكون السلطة منحصرة في القانون وذلك يعني أن ليس للحكومة الحق في إيقاع أي عمل إكراهي بدون الوسائط القانونية. بحيث أن الإنسان لا يخشى هضيمة في ذاته ولا في سائر حقوقه ولا يحكم عليه بشيء لا تقتضيه قوانين البلاد المتقررة لدى المجالس، وهذا التعريف هو على غرار ما عرف به "منتسكيو" الحرية حين قال بأنها: "الحق في عمل كل ما تسمح به القوانين".
وبرّر الكواكبي تبنيه للحرية مثلما فعل معاصروه من "السلفيين" بأنها مستمدة من الشريعة الإسلامية بل هي روح الدين على حد تعبيره.!!؟؟
فالحرية خاطر غريزي في النفوس البشرية. فيها نماء القوى الإنسانية من تفكير وقول وعمل، وبها تنطلق المواهب العقلية متسابقة في ميدان الإبتكار والتدقيق، فلا يحق لها أن تسام بقيد من القيود، وقد تنبه الكواكبي إلى أن نهج الأوروبيين في البحث العلمي كان من أسباب تقدمهم وتطور العلوم عندهم، فهم يعتمدون حرية البحث والتفكير ويدققون ويبتكرون في المعارف ويطمحون دائما إلى تخطي ذواتهم وما وصل إليه أسلافهم.وبناء على ذلك فان افتقاد الحرية في أي مجتمع بشري معناه انتشار التقاعس فيه عن كل " صعب و ميسور"..
إن الحكومة العادلة الحرة تفعل في أخلاق البشر ما تفعله العناية في إنماء الشجر، فالحاكم العادل هو بمثابة البستاني الذي يرعى أشجار بستانه وأزهاره ليل نهار حتى تؤتي أكلها على أحسن وجه ممكن... للسعة والفقر وانتظام المعيشة دخل كبير في تيسير التربية أو تعسيرها، والحكومة "البديل" كفيلة بتيسير كل الظروف الملائمة للتربية الصحيحة وتذليل كل العقبات حتى يتمكن أبناؤها من الرقي المادي والروحي.. فهي في سعي دائب ليرقى ابنها في جسمه وصحته ويزداد علمه وماله ويتصف بمكارم الأخلاق والخصال السامقة. ويرقى في صفاء روحه إلى مرتبة الملائكة.وهكذا يعيش الإنسان في ظل العدالة والحرية نشيطا على العمل بياض نهاره، وعلى الفكر سواد ليله لأن مناخ الحرية والعدالة يفجر الطاقات العديدة الكامنة في كل إنسان ويمكنه من إبراز فعاليته الإجتماعية وصناعة التاريخ وبناء المستقبل.
"وللحكومة البديل" بالإضافة إلى ذلك، مهمة التوسيع في الزراعة والصناعة والتجارة... كي لا تهلك الأمة بالحاجة لغيرها أو تضعف بالفقر، ومن هنا يشدد الكواكبي على أهمية الثروة العمومية خصوصا فيما يتعلق بدورها الحاسم في حفظ الإستقلال والقضاء على الفقر الذي يمثل رمزا للشر حتى قال الرسول صلى الله عليه و سلم ذات مرة " لو كان الفقر رجلا لقتلته ..لأنه رائد كل نحس. فمنه جهلنا ومنه فساد أخلاقنا".. كما تكتسي الثروة العمومية أهمية بالغة في المجتمعات الحديثة خاصة تلك التي تخوض صراعا ضد المستعمرين، إذ أصبحت الثروة العامة سلاحا رئيسيا في هذه الصراعات ولا يمكن كسب أي معركة بدون تأمين هذا "السلاح الفتاك".
وهكذا يصبح من أوكد مهمات الحكومة البديل تحرير البلاد من الإستعمار الداخلي المتمثل خاصة في الإستبداد السياسي والإجتماعي (البغي الاجتماعي) والإستعمار الخارجي والمتمثل في الهيمنة الغربية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة والمضي بالبلاد والعباد في طريق الرقي والإزدهار والقوة.
و الحاصل: نلاحظ أن الكواكبي قد أدرك مثلما أدرك معاصروه من رجال الإصلاح أن المجتمع العربي الإسلامي قد أصبح بحاجة أكيدة إلى تغيير جذري في هياكله السياسية والإجتماعية و الإقتصادية و الثقافية... وجاء هذا الوعي وهذا الإدراك نتيجة مباشرة لغزو بونابرت لمصر عام 1798م، واطلاع بعض المثقفين العرب على "فلسفة الأنوار" التي مهدت لثورة 1789م.
ولقد تميز الكواكبي بحرص شديد على ضرب المؤسسة السياسية واعتبرها رأس كل شر أصاب العرب بسبب الإستبداد الذي كان يمارسه الحكام على المحكومين منذ عصر الإنحطاط. لهذا نجده يكثف من هجمته العنيفة ونقده الحاد لهذه المؤسسة، ويطالب بإحداث حكومة ديمقراطية حتى تتمكن من رعاية مصالح العرب على أحسن وجه.
ولعله قد أفلح كثيرا في إقناعنا بفساد الإدارة التركية وبخطورة المؤسسة السياسية في التأثير على كل جانب من جوانب الحياة في المجتمع‘ وكنا ننتظر أن يقدم لنا المؤلف بديلا فكريا وحضاريا واضحا للمجتمع المستقبلي الذي ينشده، لكنه لم يفعل، واكتفى بطرح الأسئلة العامة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. بالإضافة إلى كونه لم يقدم لنا طريقة مقنعة وواضحة المعالم في كيفية تثوير المجتمع العربي الذي يرزح تحت كل مظاهر التخلف الحضاري نتيجة الإستبداد الذي يمارسه الساسة على الرعية..! ودفعه نحو النهضة الفكرية والحضارية التي ينشدها.
لقد طغت على المؤلف في بعض الأحيان، مفاهيم ومصطلحات هي من مخلفات عهود الإنحطاط في التاريخ العربي- الإسلامي، فحدّت كثيرا من حرية تفكيره واستنباط الحلول الملائمة لمشكلات المجتمع المتنوعة، كمفهوم "أهل الحل والعقد" و"أشراف الأمة" الذين يقررون مصير الناس في جميع مناحي الحياة. "والفتنة" بمعناها السلبي... وقد غاب عنه أن مثل هذه المفاهيم هي التي ساهمت بقسط كبير في تكريس الإستبداد السياسي والإنحطاط الحضاري والتخلف. ولعل مثل هذه المفاهيم المغلوطة هي التي زادت في إرباك رواد النهضة العربية وحدّت من فاعليتهم التاريخية في تغيير المجتمع وجعلت العرب يعيشون في حلقة مفرغة، ديدنهم "عود على بدء"، منذ "عصر النهضة" إلى اليوم.
فلئن افلح الكواكبي في صنع نسق سياسي – فكري حضاري، فإن هذا النسق الفكري بقي محدودا في نجاعته الحضارية وإحداث النهضة، بسبب الهيمنة الكبيرة التي بقي يمارسها التراث العربي الإسلامي على الحلول التي استنبطها الكواكبي في معالجة مشكلات المجتمع العربي بالإضافة إلى الهيمنة الحضارية التي أصبح يمارسها الفكر الغربي الحديث على بعض الحلول التي قدمها دون مراعاة خصوصية كل مجتمع ومتطلباته الحضارية.
فهل من سبيل إلى حداثة إسلامية جديدة تنقذ أمتنا العربية و الإسلامية من التخلف الحضاري و التبعية و الإستعمار و ترجع لها القدرة على الفعل التاريخي و التقدم الحضاري و قيادة مسيرة الشعوب نحو الخير و الأمن و السلام؟








الفهرس
الإهداء...........................................................................................ص3
التصدير.........................................................................................ص5
المقدمــــة........................................................................................ص6
الباب الأول......................................................................................ص9
تمهيد تاريخي:...................................................................................ص9
1-النهضة العربية والوعي السياسي- الحضاري:............................................ص9
أ- نقد حكم الإطلاق لدى رواد "النهضة العربية":............................................ص9
ب- النهضة وبروز التيار السلفي:...........................................................ص10
الباب الثاني....................................................................................ص11
I -النزعة النقدية لدى الكواكبي:..............................................................ص11
1-الكواكبي ونقد الإستبداد:...................................................................ص11
أ- مفهوم الإستبداد:............................................................................ص11
ب) أسباب الإستبداد:..........................................................................ص14
-1 الخوف:....................................................................................ص14
2- الجهـل:....................................................................................ص15
II – أثر الإستبداد على الفرد والمجتمع:....................................................ص18
1-إنحراف الغرائز:...........................................................................ص18
2-الإستبداد الإجتماعي:......................................................................ص20
3-الفوضى وانحطاط الأخلاق:..............................................................ص21
III شروط بقاء الإستبداد و ركائزه:..........................................................ص23
1-الإرهاب:...................................................................................ص23
2- القوة المسلحة:.............................................................................ص24
3- القوة المالية:...............................................................................ص24
4-العادة والألفة:..............................................................................ص24
5-القوة الخارجية " الإستعمار":.............................................................ص25
6- رجال الدين:...............................................................................ص26
الباب الثالث................................................................................. ص28
النزعة النقدية و الإصلاحية لدى الكواكبي:.................................................ص28
1- نقد الإستبداد بين الكواكبي و" الفياري":................................................ص28
2- التقاطع بين الشرع والغرب في فكر الكواكبي:.........................................ص31
3- الكواكبي والتجديد:........................................................................ص32
أ-مفهوم "الإسلامية":.........................................................................ص32
ب-تجديد الكواكبي في الجانب السياسي:....................................................ص32
ج- تجديد الكواكبي في الجانب الإقتصادي والإجتماعي:...................................ص34
د- مهام الحكومة "البديل" للرقي بالأمة:.....................................................ص35
قائمة المصادر والمراجع:
1- المصادر:
أ‌- العربية:
• عمارة (محمد): الأعمال الكاملة لعبد الرحمان الكواكبي: مع دراسة عن حياته وآثاره، (مصر، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ط1 – 1970)
• الأعمال الكاملة لعبد الرحمان الكواكبي: (لبنان المؤسسة العربية للدراسات والنشر: ط 1 1975)
• الكواكبي (عبد الرحمان): تقديم أسعد السحمراني): طبائع الإستبداد ومصارع الإستبعاد (بيروت، دار النفائس ط 1 1984).
• :أم القرى(بيروت- دار الرائد العربي-ط2-1982).
ب‌- الفرنسية:
• Alfieri (Victor) : De la Tyrannie- (Paris, aux bureaux de la Publication ; 1865)
2- المراجع: (لقد اقتصرنا على ذكر أهم المراجع التي استفدنا منها في بحثنا)
• الدهان (سامي): عبد الرحمان الكواكبي : (مصر، دار المعارف بدون سنة نشر)
• حمزة (محمد شاهين): عبد الرحمان الكواكبي، العبقرية الثائرة: (القاهرة، منشورات المكتبة العالمية ط 1، 1958)
• خلف الله (محمد أحمد): الكواكبي حياته وآراؤه: (القاهرة مكتبة العرب بدون سنة نشر)
• كتورة (جورج): طبائع الكواكبي في طبائع الاستبداد: (بيروت، المؤسسة الجامعية للنشر، ط1، 1987)
• أمين (أحمد): زعماء الإصلاح في العصر الحديث: (بيروت، دار الكتاب العربي، 1979)
• شرابي (هشام): المثقفون العرب والغرب: (بيروت، دار النهار 1973)
• خوري (رئيف): الفكر العربي الحديث وأثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والإجتماعي: (بيروت، منشورات دار المكشوف، ط 1، 1943)
• حوراني (ألبرت): الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939: (ترجمة كريم عزقول، بيروت، دار النهار)
• سابايارد (نازك): الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة: (مؤسسة نوفل ط1، 1979)
• زيادة (خالد): اكتشاف التقدم الأوروبي: (بيروت، دار الطليعة، ط1، 1981)
• هرمان (جورج): تكوين العقل الحديث: ( الجزء الأول): (بيروت، دار الثقافة، ط 2، 1965).
• عمارة (محمد): العرب والتحدّي: ( دمشق، دار قتيبة، ط2، 1987)
• بروكلمان (كارل): تاريخ الشعوب الإسلامية: (ج 3، بيروت، دار العلم للملايين، ط1، 1960))
• لانجر (وليم): موسوعة تاريخ العالم ج5: (أشرف على الترجمة عبد المنعم أبو بكر، ط 1966)
• دائرة المعارف الإسلامية: المجلد الثاني (نشر الشعب)
• المراكشي (محمد صالح): تفكير محمد رشيد رضا من خلال مجلة المنار: (تونس، الدار التونسية للنشر)
• الدوري (عبد العزيز): التكوين التاريخي للأمة العربية: (بيروت، ط1، 1984)
• ألحصري (أبو خلدون ساطع): محاضرات في نشوء الفكرة القومية: (ط. خاصة 1985)
• الأفغاني )جمال الدين) وعبده (محمد): العروة الوثقى: (بيروت، دار الكتاب العربي، ط3، 1983)
• محمد (محمد عوض): الإستعمار والمذاهب الاستعمارية: (دار الكتاب العربي، ط2، 1956)
• فولغين (ف): فلسفة الأنوار: (بيروت، دار الطليعة، ط1، 1981)
• الفنجري (أحمد شوقي): الحرية السياسية أولا: (الكويت، دار القلم، ط1، 1973)
• العروي (عبد الله): مفهوم الحرية: (المركز الثقافي العربي، ط 4، 1988)
: مفهوم الإيديولوجيا: (المركز الثقافي العربي، ط 4، 1988)
: مفهوم الدولة: (المركز الثقافي العربي، ط 4، 1988).